حرارة الصيف مرآة للوعي الجمعي

د.علي المبروك أبوقرين
لم يعد الصيف في ليبيا مجرد فصلٍ عابر في تقويم المناخ إنه صار حالة كاشفة تعري الكثير مما تراكم في حياتنا من اختلالات، فهو لا يختبر قدرة أجسادنا على التحمل فقط إنما يكشف أيضًا مدى وعينا ونمط عيشنا وجاهزية مدننا، وعدالة أنظمتنا.
إن الحرارة التي نواجهها اليوم لم تعد مجرد ظاهرة طبيعية إنها نتيجة مركبة يتداخل فيها تغير المناخ مع سلوك الإنسان، لتتحول إلى أزمة تتكرر كل عام بصور مختلفة ولكن بأسباب واحدة تقريبًا.
وفي قلب هذه الأزمة يقف الإنسان العامل تحت الشمس، وفي الطرقات والمفترقات ومواقع البناء والخدمات، حيث يتحول العمل اليومي إلى اختبار قاس للجسد، ورجال المرور وعناصر الأمن وعمال النظافة وفرق الكهرباء والمياه وكل من ترتبط أعمالهم بالفضاء المفتوح يواجهون خطرًا صامتًا يتسلل تدريجيًا عبر الجفاف والإجهاد الحراري دون أن يكون لديهم في كثير من الأحيان الحد الأدنى من الحماية.
إن العمل في هذه الظروف دون تنظيم لساعات الدوام ودون فترات راحة كافية ودون توفير الماء ووسائل التبريد والظل، لا يمكن اعتباره مجرد تقصير إنما هو خلل بنيوي في فهم العلاقة بين العمل والصحة، فالعامل الذي ينهار تحت الشمس ليس ضحية الطقس إنه ضحية غياب السياسات الوقائية.
وفي موازاة ذلك تتحول المدينة نفسها إلى مصدر إضافي للحرارة حيث تختزن الطرق الإسفلتية والكتل الخرسانية الطاقة الشمسية وتعيد بثها، في غياب المساحات الخضراء التي يمكن أن تخفف من هذا الأثر، هنا يصبح رش الشوارع بالمياه وتفعيل النوافير وإعادة إحياء المسطحات المائية وتشجير الطرق الطويلة ليس مجرد تحسين بصري، إنما تدخل صحي وبيئي ضروري.
إن شجرة واحدة على طريق مفتوح قد تعني فرقًا في درجة الحرارة، وفرقًا في صحة المارة والعاملين، وفرقًا في جودة الحياة بأكملها، ومع اشتداد الحر يتجه الناس إلى المصائف والشواطئ بحثًا عن الخلاص، لكن هذا الهروب كثيرًا ما يتحول إلى خطر آخر حين تغيب الإدارة والتنظيم.
ازدحام خانق ومياه غير مراقبة، وأطعمة مكشوفة ونفايات متراكمة كلها عوامل تجعل من المصيف بيئة خصبة للأمراض بدل أن يكون مساحة للراحة، فالمصيف الآمن ليس بحرًا فقط إنه منظومة متكاملة من الرقابة الصحية وإدارة النفايات وتوفير الخدمات ونشر الوعي.
وفي ظل الحرارة المرتفعة، تتضاعف أهمية الماء، ليس فقط من حيث الكمية إنما من حيث الجودة، إذ إن المياه المخزنة بطريقة غير آمنة قد تتحول إلى مصدر تلوث خطير، خصوصًا مع تسارع نمو البكتيريا في الأجواء الحارة.
وهنا يصبح شرب الماء النظيف والتأكد من مصادره ومعالجته عند الشك، مسألة حياة وينطبق الأمر ذاته على الغذاء، حيث تتحول الأطعمة غير المحفوظة جيدًا إلى بيئة مثالية للتسمم الغذائي ما يجعل من اختيار الطعام وطريقة حفظه جزءًا من الوقاية الصحية اليومية.
أما النظافة الشخصية والعامة فهي خط الدفاع الأول الذي كثيرًا ما يتم تجاهله، رغم أنها الأكثر بساطة والأشد تأثيرًا، فالاستحمام المنتظم وغسل اليدين، وتنظيف البيوت، والتخلص السليم من النفايات، ليست سلوكيات اعتيادية فحسب، إنها أدوات وقاية حقيقية من أمراض تتكاثر في الصيف.
وفي المقابل، فإن تراكم القمامة وركود المياه يفتح الباب لانتشار الحشرات والأوبئة، في مشهد يعكس خللًا في السلوك قبل أن يكون خللًا في الإمكانيات، ولا يمكن إغفال تحديات السفر في هذا الفصل، حيث تصبح الرحلات الطويلة تحت الشمس، خصوصًا في أوقات الذروة محفوفة بالمخاطر، من إجهاد وجفاف إلى أعطال مفاجئة في المركبات.
إن حمل الماء، والتأكد من جاهزية السيارة، وتجنب ساعات الذروة، والتوقف المنتظم، كلها احتياطات بسيطة لكنها قد تكون فاصلة بين السلامة والخطر، وفي زاوية أخرى لا تقل أهمية يأتي موسم الامتحانات الذي يتزامن مع ذروة الحرارة، حيث يجد الطلاب أنفسهم في بيئة مزدوجة ضغط المناخ وضغط التقييم.
إن ضعف التهوية في قاعات الامتحان وارتفاع درجات الحرارة وعدم مراعاة توقيت الاختبارات، كلها عوامل تؤثر مباشرة على التركيز والأداء، وهنا تصبح تهيئة بيئة امتحانية مناسبة، من حيث التهوية والتبريد وتوفير المياه، جزءًا من العدالة التعليمية وليس مجرد تحسين إداري.
وفي الحياة اليومية تلعب الملابس وأدوات الوقاية دورًا حاسمًا لا يُقدر حق قدره، فاختيار الملابس القطنية الخفيفة والفضفاضة ذات الألوان الفاتحة، ليس مجرد ذوق إنما وسيلة لتقليل امتصاص الحرارة والسماح للجسم بالتنفس، كما أن استخدام القبعات والنظارات الشمسية والمظلات وواقيات الشمس، يشكّل درعًا وقائيًا يقلل من الأضرار المباشرة لأشعة الشمس على الجلد والعينين.
ومع كل هذه التفاصيل، تتكاثر الأمراض الصيفية التي لا تأتي من الحرارة وحدها إنما من طريقة تعاملنا معها، من ضربات الشمس إلى الإجهاد الحراري، ومن التسمم الغذائي إلى الالتهابات الجلدية، حيث يكون العامل المشترك بينها جميعًا هو السلوك البشري.
فالصيف لا يمرضنا بقدر ما تكشفه عاداتنا غير الصحية من هشاشة، وفي العمق تبقى أنماط الحياة هي الجذر الحقيقي للأزمة، حيث يلتقي السهر وقلة شرب الماء وسوء التغذية وضعف الثقافة الصحية مع بيئة غير مهيأة، لتنتج معًا مشهدًا صيفيًا مثقلًا بالمخاطر.
وهنا لا يمكن فصل الفرد عن المجتمع، ولا السلوك عن السياسات، فالقضية في جوهرها قضية وعي جماعي، إن الصيف مرآة تعكس علاقتنا بالحياة، كل ما نعانيه فيه، من حرارة خانقة إلى أمراض وانتكاسات، هو في جزء كبير منه نتيجة إهمال بشري يمكن معالجته، ووعي يمكن بناؤه وسلوك يمكن تغييره.
فشجرة تُزرع وعامل يُحمى وماء يُنقّى وشارع يُنظّف وطفل يُوعى، كلها أفعال صغيرة لكنها تصنع فرقًا كبيرًا.
