ملفات وتقارير

روسيا والصين ترسمان ملامح نظام عالمي متعدد الأقطاب



تقرير – سيد العبيدي


اختتم الزعيم الروسي فلاديمير بوتين الأربعاء زيارة مهمة إلى العاصمة الصينية بكين استمرت يومين بدعوة رسمية من نظيره الصيني شي جين بينغ، في قمة عكست مستوى غير مسبوق من التقارب السياسي والاقتصادي والعسكري بين موسكو وبكين، وسط تحولات دولية متسارعة تشهد تراجع النفوذ الغربي وصعود القوى الدولية المنافسة.
حملت الزيارة رسائل استراتيجية واضحة بشأن ملامح نظام عالمي متعدد الأقطاب، في ظل تصاعد الصراعات الدولية والحروب الاقتصادية والتنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى. وأكدت بين الزعيمين الروسي والصيني أن موسكو وبكين تجاوزتا مرحلة التنسيق السياسي التقليدي، واتجهتا نحو بناء شراكة استراتيجية شاملة تمتد من الطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى الأمن والدفاع والنظام المالي العالمي، في خطوة تعكس توجه البلدين نحو ترسيخ عالم متعدد الأقطاب بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية الغربية.
قمة مختلفة عن زيارة ترامب
الزيارة التي جاءت بعد أيام فقط من مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العاصمة الصينية دون تحقيق اختراقات حقيقية في الملفات الخلافية الكبرى، سواء المتعلقة بالحرب التجارية أو تايوان أو ملفات الشرق الأوسط، نجحت في تحقيق حزمة واسعة من التفاهمات والاتفاقيات التي شملت الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والتعاون العسكري، إلى جانب إعلان سياسي واسع بشأن مستقبل النظام الدولي.
روسيا والصين أعلى مستوى من العلاقات
من جهته أكد الزعيم الروسي فلاديمير بوتين خلال القمة أن العلاقات الروسية الصينية تشهد أفضل مراحلها على الإطلاق، مشيرًا إلى أن التعاون بين موسكو وبكين لا يستهدف أي طرف ثالث، بل يهدف إلى تحقيق الاستقرار العالمي وبناء نظام دولي أكثر عدالة.
وقال بوتين إن روسيا والصين تدافعان معًا عن مبادئ القانون الدولي وسيادة الدول، مضيفًا أن العالم يشهد تحولًا جذريًّا نحو نظام متعدد الأقطاب، في ظل تراجع فاعلية الهيمنة الغربية. وشدد الرئيس الروسي على أن الشراكة مع الصين أصبحت عاملًا أساسيًّا في الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي العالمي، مؤكدًا أن موسكو وبكين ستواصلان تعزيز التنسيق السياسي والعسكري والاقتصادي في مواجهة التحديات الدولية.
العالم يدخل مرحلة تغييرات تاريخية
من جانبه أكد الزعيم الصيني شي جين بينغ أن العالم يشهد “تغيرات كبرى غير مسبوقة منذ قرن”، مؤكدًا أن الصين وروسيا تتحملان مسؤولية مشتركة في الحفاظ على الاستقرار الدولي ومنع عودة عقلية الحرب الباردة.
وأوضح شي أن العلاقات الصينية الروسية تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مشددًا على أن الشراكة بين البلدين أصبحت نموذجًا جديدًا للعلاقات بين القوى الكبرى. وأضاف أن بكين وموسكو ستواصلان تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي والتجارة، إلى جانب التنسيق داخل الأمم المتحدة ومجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.
47 اتفاقية تؤسس لتحالف طويل المدى
إلى ذلك، شهدت القمة الروسية الصينية توقيع بيان مشترك بشأن تعزيز الشراكة الشاملة والتفاعل الاستراتيجي بين روسيا والصين وتعميق علاقات حسن الجوار والصداقة والتعاون، وذلك عقب المحادثات التي عقدها بوتين وشي جين بينغ داخل قاعة الشعب الكبرى في بكين.
ووفقًا لمساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، فإن البيان المشترك يمثل وثيقة سياسية شاملة تتكون من 47 بندًا تحدد المسارات الرئيسية للعلاقات الثنائية ورؤية مشتركة للقضايا الدولية الملحة، إلى جانب رسم صيغ التعاون المستقبلية في الملفات العالمية. كما تبنى الزعيمان إعلانًا مشتركًا آخر بشأن إقامة عالم متعدد الأقطاب ونوع جديد من العلاقات الدولية، في خطوة اعتبرها مراقبون بمثابة خارطة طريق سياسية لمواجهة النظام الغربي التقليدي.
عالم متعدد المراكز
ركزت الوثائق الروسية الصينية على فكرة الانتقال إلى نظام عالمي متعدد المراكز، حيث أكد الجانبان أن العالم يشهد تحولات كبرى وأن الهيمنة الأحادية وسياسات الإملاء والعقوبات لم تعد مقبولة. وشددت موسكو وبكين على أن العلاقات بينهما لا تستهدف أي طرف ثالث ولا تحمل طابع المواجهة، لكنها في الوقت نفسه ترفض محاولات فرض نماذج سياسية أو اقتصادية بالقوة، وترفض استخدام حقوق الإنسان كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول.
كما أكد الطرفان أن النظام الدولي الحالي يشهد تصاعدًا للنزعات الاستعمارية الجديدة وسياسات التكتلات المتصارعة، محذرين من العودة إلى ما وصفاه بـ”قانون الغاب” في العلاقات الدولية. وفي واحدة من أكثر الرسائل وضوحًا، دعت روسيا والصين الولايات المتحدة إلى العمل بحسن نية للحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي العالمي، كما انتقدتا مشروع “القبة الذهبية” الأمريكي، معتبرتين أنه يهدد الأمن الدولي ويقوض التوازن الاستراتيجي.
أوكرانيا والشرق الأوسط.. تنسيق كامل
أظهرت القمة الروسية الصينية مستوى مرتفعًا من التفاهم بشأن الحرب في أوكرانيا والتطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، حيث أكد الجانبان ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة الأوكرانية عبر الحوار والمفاوضات وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وأشادت موسكو بما وصفته بالموقف الصيني “الموضوعي والمتوازن” تجاه الأزمة الأوكرانية، مع ترحيب روسي بالدور الذي تسعى بكين إلى لعبه في أي تسوية سياسية مستقبلية.
وفي الملف الإيراني، اعتبرت روسيا والصين أن الضربات الأمريكية والصهيونية ضد إيران تمثل انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا مباشرًا لاستقرار الشرق الأوسط.
كما دعا الجانبان إلى وقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، مؤكدين ضرورة العودة إلى التفاوض ومنع اتساع دائرة الحرب في المنطقة.
تايوان وكوريا الشمالية والرد على واشنطن
إلى ذلك جددت موسكو التزامها الكامل بمبدأ “الصين الواحدة”، مؤكدة أن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، في وقت أعربت فيه بكين عن دعمها للمبادرات الروسية المتعلقة بالأمن الأوروبي والأوراسي.
كما عارض الطرفان العقوبات والضغوط الغربية المفروضة على كوريا الشمالية، ورفضا إنشاء تحالفات عسكرية جديدة في آسيا على غرار حلف شمال الأطلسي، معتبرين أن عسكرة منطقة آسيا والمحيط الهادئ تهدد الاستقرار الإقليمي.
وأعربت موسكو وبكين عن قلقهما من إعادة التسلح الياباني ومن محاولات بعض الدول استخدام التحالفات العسكرية والحروب بالوكالة لإعادة تشكيل التوازنات الدولية.
“قوة سيبيريا 2”.. شريان موسكو نحو آسيا
اقتصاديًّا، تصدر مشروع خط الغاز العملاق “قوة سيبيريا 2” جدول أعمال القمة باعتباره أحد أهم المشاريع الاستراتيجية بالنسبة إلى روسيا بعد تراجع صادراتها إلى أوروبا. ويهدف المشروع إلى نقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويًّا إلى الصين عبر الأراضي المنغولية انطلاقًا من حقول يامال الروسية.
ورغم عدم توقيع الاتفاق النهائي خلال القمة، فإن الكرملين تحدث عن تفاهمات أساسية بين الجانبين بشأن المشروع، مع استمرار المفاوضات حول الأسعار والكميات وآليات التنفيذ. ويمثل المشروع بالنسبة إلى موسكو منفذًا اقتصاديًّا بالغ الأهمية لإعادة توجيه صادرات الطاقة نحو آسيا، بينما تتعامل بكين مع الملف من موقع تفاوضي قوي بفضل تنوع مصادر الطاقة لديها.
التجارة الثنائية تتجاوز 228 مليار دولار
من جهتها أكدت وزارة التجارة الصينية أن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 228 مليار دولار خلال عام 2025، متخطيًا حاجز 200 مليار دولار للعام الثالث على التوالي. كما حافظت الصين على موقعها كأكبر شريك تجاري لروسيا للعام السادس عشر تواليًا، في مؤشر واضح على عمق الترابط الاقتصادي بين البلدين رغم العقوبات الغربية المفروضة على موسكو. وأعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن صادرات النفط الروسية إلى الصين ارتفعت بنسبة 10 بالمائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري.
وفي سياق تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي، واصل البلدان تعزيز استخدام اليوان والروبل في المبادلات التجارية، إلى جانب ربط أنظمة الدفع الروسية والصينية بعيدًا عن نظام “سويفت” الغربي.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في صدارة التعاون
برز ملف التكنولوجيا كأحد أكثر محاور القمة أهمية، خاصة في ظل العقوبات الغربية الواسعة المفروضة على روسيا، حيث ضم الوفد الروسي المرافق لبوتين عددًا من كبار مسؤولي شركات الطاقة والفضاء والتكنولوجيا.
وأكد الزعيم الصيني شي جين بينغ أن الصين وروسيا ستعملان على تسريع التعاون في مجالات الابتكار والتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والطاقة النووية والفضاء، بما يعزز الشراكة الاستراتيجية بعيدة المدى بين البلدين. كما شدد الجانبان على رفض استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة جيوسياسية أو وسيلة لفرض الهيمنة الدولية، مع الدعوة إلى وضع قواعد دولية عادلة لتنظيم التكنولوجيا الحديثة.
تعاون عسكري وأمني غير مسبوق
جسد التعاون العسكري بين موسكو وبكين أحد أبرز ملامح القمة، تمثل في التوسع الواضح في التعاون العسكري والأمني، حيث أكد الطرفان مواصلة تعزيز الصداقة بين القوات المسلحة الروسية والصينية والتصدي المشترك للتحديات والتهديدات العابرة للحدود.
وشملت مجالات التعاون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والجرائم الإلكترونية والهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب تعزيز التنسيق داخل الأمم المتحدة ومنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس ومجموعة العشرين.
هكذا بدت قمة بكين أبعد من مجرد لقاء ثنائي بين موسكو وبكين، إذ حملت ملامح مرحلة دولية جديدة تتراجع فيها الهيمنة الغربية تدريجيًّا لصالح نظام عالمي متعدد الأقطاب، تتقدم فيه روسيا والصين كشريكين يسعيان إلى إعادة رسم التوازنات السياسية والاقتصادية والأمنية على مستوى العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى