مقالات الرأي

ثلاثمائة حبر مقاومة


بقلم /عفاف الفرجاني

في لحظات الانهيار الكبرى، لا تسقط الدول فقط بفعل السلاح، بل بفعل السرديات المزيفة التي تعيد تشكيل وعي الشعوب على قاعدة الفوضى والكراهية والتضليل. ومن هذا الإدراك تحديدًا، ولدت صحيفة (الموقف الليبي) ليس كمشروع إعلامي عابر، بل كفعل مقاومة ثقافية وسياسية في مواجهة الانهيار الشامل الذي أصاب ليبيا بعد سنة 2011.
اليوم، ونحن نصل إلى العدد 300، فإننا لا نحتفل برقم تراكمي في أرشيف الصحافة، بل نعاين تجربة نضالية مكتملة الأركان، بدأت بإمكانيات شبه معدومة، وبثلاثة أو أربعة أشخاص فقط، لكنهم كانوا يمتلكون يقينا راسخا بأن الأوطان لا تبنى بالضجيج ولا بالغلبة المسلحة، وإنما تبنى بالكلمة الواعية، وبإعادة ترميم الوعي الوطني الذي تعرض لعملية تدمير ممنهجة طوال سنوات الفوضى.
لقد انهارت ليبيا بالكلمة الكاذبة، بالشعارات التي بيعت للناس تحت عناوين الحرية، بينما كانت تؤسس لتفكيك الدولة، وبالخطابات المؤدلجة التي شرعنت العنف وأعادت إنتاج الانقسام. ولذلك كان إيماننا عميقًا بأن إعادة بناء الوطن لا يمكن أن تتم إلا عبر الكلمة الحقيقية، الكلمة التي تمتلك شجاعة الوقوف في وجه التيار، حتى وإن دفعت ثمن ذلك عزلة أو مطاردة أو تشويهًا منظمًا.
حين اجتمعنا في المهجر، نحن الرفاق في الحركة الوطنية الشعبية، كنا نعلم أن الطريق لن يكون معبدًا بالزهور. كنا نعرف أن الدفاع عن الدولة الوطنية، وعن القوات المسلحة، وعن فكرة الدستور والمؤسسات، سيضعنا في مواجهة مباشرة مع منظومات كاملة استولت على المجال الإعلامي وخطفت السوشيال ميديا كما خطفت وطنًا، وحولته إلى مساحة مغلقة تحت هيمنة جماعات التطرف السياسي والإسلامي، حيث تم خنق كل صوت مخالف، وتحويل التخوين إلى ممارسة يومية.
تعرضنا، وما زلنا، لأعتى حملات الافتراء والتشويه ومحاولات الإقصاء، لكن ذلك لم يزدنا إلا اقتناعا بأن المعركة الحقيقية ليست معركة نفوذ عابر، بل معركة وعي وهوية ومستقبل وطن.
وما يمنح هذه التجربة معناها العميق، أن (الموقف الليبي) لم تبق صحيفة إلكترونية فحسب، بل تحولت اليوم إلى منصة وطنية مؤثرة، وصلت إلى شرائح واسعة من أبناء الشعب الليبي، والنخب السياسية والثقافية المحلية والعربية والدولية،عبر المقالات والحوارات والندوات الفكرية التي عقدت على هامشها، وأسهمت في إعادة طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالدولة والسيادة والذاكرة الوطنية.
وفي العدد 300، لا نزعم أننا انتصرنا بالكامل، لكننا نستطيع القول إننا صمدنا، وإن الصوت الذي حاول كثيرون دفنه، أصبح اليوم جزءًا من النقاش الليبي العام، تتناقله المنصات وتنقله الصحف وتتابعه النخب والقراء.
وكل ما نرجوه، عندما نصل إلى العدد 500 أو 1000، أن نكتب من داخل وطن مستقر، لا من المنافي، وأن تتحول افتتاحياتنا من الكتابة عن الخسارة والنجاة، إلى الكتابة عن الدولة التي استعادت روحها، وعن ليبيا التي عادت أخيرًا إلى نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى