مقالات الرأي

حين تصبح الصحافة موقفًا


بقلم/ فرج بوخروبة
ليس من السهل أن تستمر صحيفة حتى تبلغ عددها الثلاثمائة، في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة تُستهلك بسرعة، وتتنازع فيه المنابر بين الإثارة والضجيج. فالاستمرارية في العمل الصحفي ليست مسألة أرقام، بل امتحان طويل للثقة، واختبار يومي للمصداقية، وقدرة حقيقية على البقاء قريبًا من الناس وهمومهم وقضاياهم.
ومن موقع الكاتب الذي يشارك في هذه التجربة، أجد أن الإنصاف يقتضي التوقف عند ما تمثله صحيفة الموقف الليبي وهي تصدر عددها الـ300، ليس بوصفه مناسبة احتفالية عابرة، بل باعتباره محطة تؤكد أن الصحافة الجادة لا تزال قادرة على أن تصنع حضورها، وأن تحافظ على مكانتها حين تحترم عقل القارئ وتؤمن برسالتها.
لقد أدركت الصحيفة منذ بدايتها أن الكلمة ليست مجرد مادة للنشر، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية. فالحقيقة لم تكن لديها شعارًا يُرفع، بل منهجًا في الطرح والتناول، ومحاولة دائمة للبحث عن التوازن وسط ضجيج الاصطفافات والانفعالات. وهذا ما منحها، مع مرور الوقت، مساحة من الاحترام لدى قرائها، لأن الناس قد تختلف مع الرأي، لكنها تظل تقدِّر المنبر الذي يمنحها شعورًا بالصدق.
وما يُحسب لهذه التجربة أيضًا أنها لم تنغلق على صوتٍ واحد، بل فتحت صفحاتها لاختلاف الآراء وتنوع الرؤى، إيمانًا منها بأن الحوار الصحي لا يُبنى على التشابه الكامل، وإنما على قبول التعدد واحترام حق الآخرين في التعبير. فالصحافة التي تخشى الرأي المختلف تفقد جزءًا من رسالتها، أما الصحافة التي تستوعب التنوع فإنها تقترب أكثر من المجتمع وتعكس صورته الحقيقية.
وعلى امتداد هذه المسيرة، لم تكن “الموقف الليبي” مجرد ناقلٍ للأحداث، بل حاولت أن تكون مساحة للوعي، ومنبرًا يناقش القضايا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بروحٍ مسؤولة، بعيدًا عن التهويل أو الاستسهال. وهذا الدور، وإن بدا هادئًا أحيانًا، يبقى من أهم أدوار الصحافة في أي مجتمع يسعى إلى بناء وعيه وحماية توازنه.
إن الوصول إلى العدد 300 لا يمثل نجاح مؤسسة فقط، بل يعكس أيضًا جهد أشخاص آمنوا بقيمة ما يقدمونه. من إدارة التحرير، إلى المشرفين، إلى المدققين، إلى كل قلمٍ كتب بإخلاص، وكل من عمل بصمت حتى تخرج الصحيفة بصورة تليق باسمها وقرائها. فالصحافة الحقيقية لا يصنعها شخص واحد، بل تبنيها روح جماعية تؤمن بأن للكلمة أثرًا ومسؤولية.
وفي النهاية، تبقى قيمة أي صحيفة مرتبطة بما تتركه في وجدان الناس، لا بعدد صفحاتها أو سنوات صدورها. وحين تنجح صحيفة في أن تحافظ على ثقة قرائها، فإنها تكون قد حققت أهم ما يمكن أن تطمح إليه أي تجربة إعلامية.
لهذا، فإن الاحتفاء بالعدد 300 ليس احتفاءً برقمٍ فحسب، بل تقدير لمسيرة اختارت أن تجعل من المصداقية نهجًا، ومن الكلمة مسؤولية، ومن الوطن بوصلة لا تحيد عنها.

زر الذهاب إلى الأعلى