ملفات وتقارير

حكم محكمة استئناف طرابلس في القضية 630/2012هل سقطت الرواية التي بُني عليها التدخل الدولي في 2011؟



18/5/2026، يوم سيظل محفورًا ومكتوبًا بمداد من العدالة والقوة والشجاعة، سطرته الدائرة الجنائية الثالثة عشرة بمحكمة استئناف طرابلس، برئاسة الأستاذ المستشار رمضان بلوط وعضوية المستشارين الأستاذ المستشار مصطفى اشنينة والأستاذة المستشارة سامية التليب، بحكمها في القضية رقم 2012/630 جنايات طرابلس الذي قضى ببراءة جميع المتهمين فيها من جميع التهم التي نسبت إليهم.

تعود وقائع ومراحل هذه القضية إلى بواكير عام 2012 حين أحال مكتب النائب العام إلى ساحة القضاء الملف رقم 2012/630 سجل عام جنايات طرابلس مشتملًا عدد 37 متهمًا ممن وصفهم بأركان وأعوان نظام معمر القذافي، كونهم بتاريخ 2011/2/15 وما بعده ارتكبوا في عموم ليبيا جرائم تعددت أوصافها وألوانها من القتل إلى التفجير إلى تهريب البشر إلى تشكيل الجماعات المسلحة إلى الاغتصاب إلى ترويج المخدرات وإسقاط الألغام المحظورة دوليًّا على المدنيين وتفخيخ وتلغيم الموانئ البحرية.
وتطول قائمة الاتهام ليكون نصيب الأسد فيها للسيد عبدالله السنوسي مدير المخابرات العسكرية الذي اتهمه مكتب النائب العام بارتكاب 26 جناية تكاد تكون كلها عقوبتها الإعدام، واشتملت قائمة الاتهام بالإضافة إليه كلًّا من: سيف الإسلام القذافي، بوزيد دوردة، منصور ضو، البغدادي المحمودي، محمد بلقاسم الزوي، محمد أحمد الشريف وآخرين.
وعلى غير المألوف أفردت إدارة محكمة استئناف طرابلس لهذا الملف دائرة خاصة لنظرها وخارج قاعات محكمة الجنايات، إذ كانت الجلسات تعقد داخل سجن الهضبة، حيث يقبع المتهمون تحت حراسة سجانيهم من أعضاء الجماعة الليبية المقاتلة، وهم من كانوا في السابق مسجونيهم وفي ظروف انعدمت فيها حرية الإرادة وسلامة الشعور وغلبت فيها سطوة السجان وغياب أبسط حقوق المتهم.
واستمرت المحكمة في عقد جلساتها والاستماع إلى طلبات ودفوع المحامين وسط نزاعات قانونية بين الدفاع ومكتب التحقيقات بمكتب النائب العام من جهة وبين الدفاع وهيئة المحكمة من جهة أخرى، لتصل القضية في الختام إلى الحكم فيها بتاريخ 2015/7/8 بإعدام 8 منهم والسجن المؤبد لعدد 8 آخرين وعقوبات بالسجن مددًا متفاوتة لعدد 17 متهمًا، والبراءة لعدد 4 متهمين، جاء الحكم قاصرًا في التسبيب وشابه عيب الفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع، وهو الأمر الذي معه سارع محامو الدفاع إلى الطعن في الحكم أمام المحكمة العليا على سند من المناعي التي رأى الدفاع أنها عابت الحكم المطعون فيه، ما يوجب -بعد النظر فيه- وجوب نقضه مع الإعادة، وقد قيد الطعن أمامها تحت رقم 63/10ق، وهي التي -بعد أن أودعت نيابة النقض مذكرة الرأي فيها- حددت جلسة 2021/5/7 للحكم.
وفي الجلسة المحددة تم الحكم بنقض الحكم وإعادة الدعوى مجددًا أمام محكمة جنايات طرابلس لنظرها من هيئة أخرى.
واستمر مسلسل التقاضي مجددًا مع استمرار حبس المتهمين، وفى ظروف عمل صعبة من تلكؤ النيابة العامة في تنفيذ قرارات المحكمة، إلى سطوة التشكيلات المسلحة التي يحتجز بعض المتهمين بمقراتها ورفضها تنفيذ قرارات المحكمة بجلب المتهمين المحبوسين وعدم الانصياع إلى تعليمات النائب العام بشأن جلب المتهمين لحضور الجلسات على الرغم من عقد جلسات الإعادة بمقر قوة الردع بمطار معيتيقة وعلى بعد أقل من 100 متر من محبس السيد عبدالله السنوسي، ومع احتجاجات الدفاع والمطالبات المتكررة بوجوب نقل الجلسات إلى مقر محكمة الاستئناف تم مع ختام عام 2024 العودة بملف القضية إلى قاعات محكمة استئناف طرابلس مع ربط المتهمين بالمحكمة من خلال الدائرة التلفزيونية.
وفي سباق ماراثوني انطلق مع بدايات عام 2012 يصل ملف القضية بعد معاناة، مرة من ضعف الأداء لدى النيابة العامة في تعاملها مع ملف بحجم هذا الملف ووقائعه وأسراره والتدخلات غير المبررة من التشكيلات المسلحة التي تسيطر على أماكن احتجاز المتهمين وتتحكم في حضورهم جلسات المحاكمة أو تغييبهم عنها. وصل الملف نقطة الفصل فيه بحكم من المحكمة بتاريخ 2026/5/18 ولتقضي فيه بشجاعة العدالة ويقظة الضمير والإحساس بالمسؤولية بحكمها القاضي ببراءة جميع المتهمين من التهم المسندة إليهم.
حكم قضائي ينسف الرواية الكاذبة التي تأسست عليها مؤامرة فبراير
أعاد الحكم القضائي الأخير الصادر عن القضاء الليبي، والقاضي ببراءة عدد من رموز النظام الجماهيري من التهم المنسوبة إليهم فيما يتعلق بالأحداث التي شهدتها ليبيا عام 2011، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في التاريخ الليبي الحديث.
فالحكم الذي جاء بعد سنوات طويلة من السجن والجدل السياسي والحقوقي، لا يُنظر إليه داخل ليبيا باعتباره مجرد إجراء قضائي عادي، بل بوصفه حدثًا سياسيًّا وقانونيًّا بالغ التأثير، يفرض إعادة تقييم شاملة للسردية التي تأسست عليها مؤامرة فبراير 2011 وما أعقبها من تدخل عسكري دولي وانهيار لمؤسسات الدولة.
ويكتسب هذا التطور أهميته من طبيعة الحكم ذاته، باعتباره حكمًا قضائيًّا نهائيًّا صادرًا عن مؤسسة القضاء الليبي، وليس بيانًا سياسيًّا أو موقفًا إعلاميًّا أو دعاية صادرة عن أي طرف من أطراف الصراع. فالأحكام القضائية، من حيث الأصل، تستند إلى الأدلة والوقائع والإجراءات القانونية، وهو ما يجعلها مختلفة جذريًّا عن الحملات الإعلامية أو الخطابات السياسية التي رافقت الحرب على ليبيا منذ عام 2011.
ومع صدور هذا الحكم، عاد الجدل بقوة حول حقيقة المحاكمات السابقة التي جرت في ليبيا خلال سنوات الفوضى وسيطرة الجماعات المسلحة، وحول ما إذا كانت تلك المحاكمات قد تمت فعلًا في بيئة قانونية مستقلة، أم أنها كانت جزءًا من مناخ سياسي وأمني استثنائي فرضته ظروف الحرب والانقسام وهيمنة الميليشيات المسلحة.
ويرى كثير من المتابعين أن الحكم الأخير لا يقف عند حدود تبرئة عدد من الشخصيات الليبية الوطنية، بل يتجاوز ذلك إلى التشكيك في الأساس القانوني والسياسي الذي قامت عليه كثير من الاتهامات التي استخدمت داخليًّا وخارجيًّا لتبرير إسقاط النظام الجماهيري والتدخل العسكري الدولي. فالتهم التي أُسقطت كانت تُقدَّم منذ سنوات باعتبارها جزءًا من الرواية الرسمية التي استندت إليها قوى دولية وإقليمية ومحلية خلال الحرب على ليبيا، سواء عبر وسائل الإعلام أو المؤسسات السياسية أو حتى بعض المنابر الحقوقية.
وبالتالي، فإن سقوط هذه التهم قضائيًّا يفتح الباب لطرح تساؤلات كبرى: هل كانت كل الاتهامات مؤسسة على أدلة قانونية حقيقية؟ هل تأثرت المحاكمات السابقة بالوضع الأمني والسياسي؟ هل جرى توظيف القضاء في الصراع السياسي الليبي؟ وما مدى مسؤولية الأطراف الدولية التي تدخلت في ليبيا تحت شعار حماية المدنيين؟
سجن الهضبة.. القضاء تحت سلطة السلاح
حاول قادة فبراير والأجهزة الاستخباراتية الدولية التي صنعتهم، أن يبحثوا عن أساس لما يقومون به، وخلصوا إلى اتهام النظام الجماهيري بارتكاب جرائم حرب، لذلك سارعوا إلى وضع القيادات العليا تحت تصرف محكمة الجنايات الدولية ووجهوا تهمًا جنائية لمن اعتقلوهم من قادة النظام الجماهيري، ثم نظموا محاكم صورية تحت سطوة الميليشيات في الزاوية وزوارة ومصراتة وبنغازي وسجن الهضبة الرهيب في طرابلس.
ومن أبرز النقاط التي يعيد الحكم الأخير تسليط الضوء عليها، طبيعة الظروف التي جرت فيها المحاكمات السابقة، خاصة تلك التي انعقدت داخل سجن الهضبة بطرابلس.
فسجن الهضبة لم يكن مجرد منشأة احتجاز عادية، بل تحول خلال سنوات ما بعد 2011 إلى واحد من أكثر المواقع التي تنتهك بها حقوق الأفراد ويمارس فيها القمع بلا حدود، بسبب ارتباطه بسيطرة جماعات مسلحة نافذة، من بينها الجماعة الليبية المقاتلة، وقيادات ميليشياوية لها تاريخ إرهابي مشهود.
وقد أثارت مسألة انعقاد جلسات محاكمة داخل سجن خاضع فعليًّا لنفوذ جماعات مسلحة انتقادات واسعة من حقوقيين ومحامين وسياسيين، اعتبروا أن مجرد انعقاد المحكمة في مثل هذه الظروف يثير شكوكًا جدية حول استقلال القضاء وحرية القضاة والمتهمين والمحامين.
وتشير بيانات ووقائع متعددة إلى أن القضاة والمحامين خلال تلك المرحلة كانوا يعملون في ظروف شديدة الخطورة، وسط بيئة يغيب عنها الأمن والاستقرار، وتنتشر فيها الاغتيالات والخطف والتهديدات.
اغتيالات وخطف وتهديدات.. سنوات الرعب القضائي
منذ عام 2011 تعرض الجهاز القضائي الليبي لهزات غير مسبوقة. فقد وثقت بيانات سياسية وحقوقية عديدة حالات اغتيال لقضاة ومستشارين ومحامين، إضافة إلى عمليات خطف وتهديد واقتحام للمحاكم والنيابات.
وأشارت تقارير متعددة إلى تعرض مقار قضائية للحرق والتفجير، وتوقف عمل عدد من المحاكم بسبب المخاوف الأمنية، فيما تحدثت بيانات أخرى عن ضغوط مورست على أعضاء النيابة والقضاء في قضايا تتعلق برموز النظام السابق.
كما وردت معلومات متكررة عن تهديد محامين تولوا الدفاع عن بعض المتهمين، الأمر الذي دفع عددًا منهم إلى الانسحاب أو الامتناع عن الاستمرار في الترافع.
وفي خضم هذه الأوضاع، برزت تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة القضاء الليبي على العمل باستقلالية كاملة، في وقت كانت فيه الجماعات المسلحة تفرض نفوذها على أجزاء واسعة من البلاد.
أبرز الاغتيالات التي طالت رجال القضاء
تعرض رجال القضاء في ليبيا لسلسلة من عمليات الاغتيال الممنهجة، بدأت وتيرتها بالتصاعد منذ عام 2013، واستهدفت شخصيات قضائية بارزة في مدن مثل درنة وبنغازي من قبل جماعات مسلحة وإرهابية سعت إلى تعطيل العدالة وفرض الفوضى.
القضاة والمستشارون
المستشار مراد محمد الرعوبي: قاضٍ – اغتيل (2012).
المستشار محمد نجيب هويدي: قاضٍ – اغتيل (البيضاء، 2013).
المستشار عبد العزيز الحصادي: نائب عام أسبق – اغتيل (درنة، 8 فبراير 2014).
القاضي محمد النملي: قاضٍ – أعدم بعد اختطافه (درنة، أغسطس 2015).
القاضي عبد السلام السنوسي: قاضٍ – اختطف (جنوب ليبيا، يوليو 2018).
القاضي فتحي لخفيقي: قاضٍ سابق – اغتيل (بنغازي، 2013).
القاضي أحمد الزوي: اغتيل أمام محكمة درنة في 2015.
القاضي محمود الورفلي: رئيس دائرة الجنايات بمحكمة استئناف بنغازي – اغتيل (أبريل 2014).
وكلاء النيابة
النائب العام يوسف علي الأصيفر: نائب عام عسكري – اغتيل (بنغازي، 18 أغسطس 2013).
النائب العام محمد النعاس: نائب عام – اغتيل (درنة، 25 نوفمبر 2013).
وكيل النيابة إسماعيل عبد الرحمن: وكيل نيابة – اختطف (جنوب ليبيا، يوليو 2018).
وكيل النيابة منصور ضاعوب: وكيل نيابة عسكرية رئيسي – اختفى قسرًا (طرابلس، مايو 2022).
وكيل النيابة أحمد القطعاني: وكيل نيابة عامة – اختطف (طرابلس، 13 يونيو 2023).
وكيل النيابة صالح أبوكليش: وكيل نيابة عامة – قتل بعد اختطافه (ترهونة، أكتوبر 2021).
وكيل النيابة عبدالسلام بن علي العماري: وكيل نيابة سرت – قتل (مصراتة، 4 أكتوبر 2017).
وكيل النيابة وائل منصور عمر فرعون: وكيل نيابة عسكرية – توفي بظروف غامضة (صبراتة، 13 سبتمبر 2025).
النائب العام المساعد حمزة محمد صقر: نائب عام مساعد – اغتيل (تم تأكيد هويته في 20 مايو 2024).
وكيل النيابة عثمان المعداني: اغتيل في بنغازي خلال أبريل 2014 بعد تحقيقه في قضايا اغتيالات.
وكيل النيابة محمد العبيدي: اغتيل في درنة خلال يوليو 2014.
وكيل النيابة صالح البوزيدي: اغتيل في بنغازي عام 2014 أثناء تحقيقه في ملف الاغتيالات السياسية.
المحامون
المحامي صالح عبد الجواد: اختطف (طرابلس، 4 سبتمبر 2014).
المحامي محمد عبد السلام: مختطف ومطلوب الإفراج عنه.
المحامي فرج الدرسي: اغتيل في بنغازي أغسطس 2014 وكان يتولى قضايا ضد الميليشيات.
المحامي عبد السلام المسماري: اغتيل في بنغازي يوليو 2013.
المحامي حميد الغرياني: اغتيل في درنة عام 2015.
المحامية حنان النويصري: تعرضت لاعتداء بالضرب أمام محكمة الزروق في مصراتة عام 2014، واختطف والدها لاحقًا.
الحركة الوطنية الشعبية: لا عدالة في ظل سطوة الميليشيات
شهدت فترة احتجاز قيادات النظام الجماهيري داخل السجن جملة من الانتهاكات الجسيمة، تمثلت في تعرضهم لأسوأ أشكال التعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك الإهانات

اللفظية، والعنف الجسدي والنفسي. كما فُرض الحبس الانفرادي على كل من حاول الاعتراض على تلك الممارسات أو عبّر عن آراء مرتبطة بثقافة النظام السابق.
وعانى المحتجزون كذلك من تدهور أوضاعهم المعيشية، حيث واجهوا نقصًا حادًّا في التغذية وحرمانًا من الرعاية الصحية، مع عدم عرضهم على الأطباء، رغم أن غالبيتهم من كبار السن ويعانون حالات صحية تتطلب متابعة وعلاجًا مستمرًّا.
كما فُرضت قيود مشددة على الزيارات العائلية، إذ مُنع عدد كبير منهم من التواصل مع ذويهم، بينما اقتصرت الزيارات المسموح بها على فترات قصيرة للغاية وتحت رقابة صارمة، في مشهد يعكس جانبًا من حجم المعاناة والانتهاكات التي تعرضوا لها.
وأكدت اللجنة القانونية بالحركة الوطنية الشعبية الليبية، في ردها على بيان وزير العدل بشأن تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الصادر عام 2013، أن القضاء الليبي يعاني من انهيار خطير بسبب غياب الأمن وهيمنة الميليشيات، مشيرة إلى تعرض محاكم ونيابات للاعتداء والتفجير، إلى جانب اغتيال وتهديد قضاة وأعضاء نيابة. كما تحدثت عن استمرار احتجاز آلاف المعتقلين دون محاكمات عادلة، وسط تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة، مؤكدة أن تحقيق العدالة يتطلب إنهاء سيطرة السلاح وضمان استقلال القضاء واحترام حقوق الإنسان.
حكم محكمة سجن الهضبة
نص منطوق الحكم الصادر في القضية رقم 630/2012 عن الدائرة الجنائية بمحكمة استئناف طرابلس بتاريخ 28 يوليو 2015 على إصدار أحكام متفاوتة بحق عدد من مسؤولي النظام السابق، شملت الإعدام والسجن المؤبد وأحكامًا أخرى، إضافة إلى البراءة لبعض المتهمين.
ووفق منطوق الحكم:
الحكم بالإعدام رميًا بالرصاص على عدد من المتهمين، من بينهم سيف الإسلام القذافي وعبدالله السنوسي والبغدادي المحمودي وأبو زيد دوردة ومنصور ضو وآخرون.
الحكم بالسجن المؤبد على عدد آخر من المتهمين.
إصدار أحكام بالسجن لمدد متفاوتة تراوحت بين 5 و12 سنة بحق بعض المتهمين.
تبرئة عدد من المتهمين والإفراج عنهم.
نقض المحكمة العليا للحكم
قامت المحكمة العليا الليبية بقبول الطعون المقدمة ضد أحكام قضية 630/2012، المعروفة إعلاميًّا بمحاكمة رموز النظام الجماهيري، وهو ما ترتب عليه نقض عدد من الأحكام الصادرة عن محكمة استئناف طرابلس وإعادة القضية إلى دائرة أخرى لإعادة النظر فيها وفق الإجراءات القانونية.
ورأت المحكمة العليا وجود ملاحظات أو أخطاء قانونية وإجرائية تستوجب إعادة المحاكمة أو مراجعة الحكم، وليس بالضرورة إصدار البراءة المباشرة. وقد جاءت هذه التطورات بعد جدل واسع حول ظروف المحاكمة التي جرت داخل مجمع الهضبة، وسط تقارير حقوقية تحدثت عن ضغوط أمنية وانتهاكات وإشكالات تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة.
كما أشارت تقارير أممية وحقوقية إلى أن المحاكمة أُجريت في بيئة أمنية معقدة، مع وجود ادعاءات بالتعذيب وسوء المعاملة وغياب الاستقلال الكامل لمؤسسات الاحتجاز، وهو ما أعاد فتح النقاش لاحقًا حول سلامة الإجراءات القضائية خلال تلك المرحلة.
ما بعد الحكم.. تداعيات البراءة في القضية
عقب صدور الحكم، أدلى المحامي أحمد نشاد بتصريح أكد خلاله أن الحكم الصادر في القضية رقم 630 لسنة 2012 أسقط المسؤولية الجنائية عن موكله عبد الله السنوسي في القضية المتعلقة بأحداث فبراير 2011، موضحًا أن الحكم اقتصر على الملف محل النظر، فيما لا تزال هناك قضايا أخرى منظورة أمام القضاء، أبرزها ملف سجن أبو سليم أمام الدائرة الجنائية الثانية.
وأوضح نشاد أن الحكم قابل للطعن أمام المحكمة العليا، باعتبار أن حق الطعن مكفول قانونًا للطرف الخاسر، لكنه شدد على ضرورة مراعاة المصلحة العامة في القضايا الحساسة المرتبطة بتاريخ ليبيا السياسي والقضائي.
وأشار إلى أن المحكمة انتهت إلى عدم قيام المسؤولية الجنائية على المتهمين، استنادًا إلى أحكام قانون العقوبات والقانون العسكري، معتبرة أن الأفعال المنسوبة إليهم جرت في إطار تنفيذ القوانين النافذة آنذاك، وأن المسؤولين كانوا يؤدون واجباتهم وفق السلطة الشرعية القائمة قبل 23 أكتوبر 2011.
وأضاف أن مبدأ “المشروعية” كان محور الحكم، حيث اعتبرت المحكمة أن مؤسسات الدولة الليبية وقوانينها ظلت قائمة خلال الفترة من 15 فبراير إلى 23 أكتوبر 2011، وأن الموظفين العموميين كانوا ملزمين بتنفيذ التعليمات الرسمية الصادرة عن السلطة القائمة.
وأكد نشاد أن ملف القضية – بحسب وصفه – تضمن عيوبًا إجرائية وموضوعية، مع غياب أدلة قطعية تثبت كثيرًا من الاتهامات، مشيرًا إلى أن بعض الوقائع الواردة في الملف “لا تستند إلى أساس واقعي أو قانوني سليم”.
كما أوضح أن المحكمة العليا سبق أن نقضت الحكم السابق بسبب غياب التسبيب القانوني الكافي وعدم مناقشة دفوع الدفاع بصورة سليمة، ما أدى إلى إعادة القضية لمحكمة الموضوع.
وبيّن أن حكم البراءة يترتب عليه قانونًا الإفراج الفوري عن المتهم، ما لم يكن موقوفًا على ذمة قضايا أخرى، مؤكدًا أن مذكرة الإفراج الصادرة تُعد واجبة التنفيذ من قبل النيابة العامة.
وفي ختام حديثه، شدد نشاد على أن القضاء لا يبني أحكامه على الانطباعات أو المواقف السياسية، وإنما على الوقائع والأدلة والنصوص القانونية، مؤكدًا أن دور الدفاع يتمثل في تمكين المحكمة من الوصول إلى الحقيقة ضمن إطار العدالة وسيادة القانون.
تصريح إعلامي صادر عن الحركة الوطنية الشعبية الليبية بشأن الحكم الصادر في القضية رقم 630/2012
تابعنا باهتمام وارتياح كبيرين الحكم الصادر، اليوم، عن القضاء الليبي في القضية رقم (630/2012)، والذي قضى ببراءة عدد من القيادات الوطنية من رموز النظام الجماهيري، بعد سنوات طويلة من السجن والمعاناة.
إن هذا الحكم يمثل انتصارًا للحقيقة، وتجسيدًا لقاعدة خالدة مفادها أن الحق لا يموت، وأن العدالة وإن تأخرت لا تغيب، فقد أثبت القضاء الليبي، رغم ما واجهه من ضغوط قاسية وظروف استثنائية، أنه قادر على إحقاق الحق وإنفاذ القانون دون خضوع أو مساومة.
ونشير هنا إلى أن الحركة سبق وأن أدانت الأحكام الظالمة في بيانها رقم 24 الصادر بتاريخ 05 أغسطس 2013م، وطالبت بضرورة العمل على تحرير القضاء من سلطة الميليشيات.
وإننا نؤكد أن هؤلاء أبرياء في الأساس، وهم قادة وطنيون، وأن ما حدث لم يكن إلا نتيجة أخطاء وقعت فيها منظومة العدالة تحت وطأة إرهاب الجماعات المتطرفة وضغوط جبهة الإنقاذ وبعض الأطراف العميلة، ليأتي هذا الحكم اليوم مصححًا لذلك المسار، ومُعيدًا الاعتبار لأصحابه.
وإذ نرحب ببراءة الأخوين عبدالله السنوسي ومنصور ضوء، ومن معهم ممن شملهم الحكم، نعتبر هذه خطوة مهمة نحو تصحيح مسار العدالة، وإنصاف من طالتهم اتهامات لم تثبت حتى أمام القضاء.
كما نؤكد أن هذا الحكم يُعد دليلًا واضحًا على نزاهة واستقلال القضاء الليبي، الذي ظل صامدًا في وجه التهديدات والضغوط، محافظًا على الحد الأدنى من ميزان العدل، ومتمسكًا بمبدأ أن «لا سلطان على القضاء إلا القانون».
وفي هذا السياق، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى رجال ونساء السلطة القضائية، من قضاة ووكلاء نيابة ومحامين، على ما يبذلونه من جهود في سبيل إرساء العدالة، رغم التحديات الأمنية والسياسية.
إننا نرى في هذا الحكم بداية لمرحلة جديدة، تُفتح فيها ملفات العدالة بعيدًا عن التسييس والتوظيف، وتُراجع فيها القضايا التي شابتها تجاوزات قانونية أو ضغوط سياسية، بما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة.
كما نجدد دعوتنا إلى: احترام أحكام القضاء وتنفيذها دون انتقائية. الإفراج عن كل المعتقلين والأسرى. إنهاء كافة أشكال الاحتجاز خارج إطار القانون. دعم مسار المصالحة الوطنية على أسس العدالة والإنصاف.
ختامًا، نؤكد أن بناء الدولة لا يتحقق إلا بقضاء عادل مستقل، وأن الليبيين قادرون على طي صفحات الماضي، والتوجه نحو مستقبل يسوده القانون والمؤسسات.
المجد للوطن.. والحرية للأبرياء.. والعدالة أساس الدولة.
المتحدث الرسمي باسم الحركة الوطنية الشعبية الليبية
دلالات حكم البراءة وتصحيح الرواية السياسية والقضائية
يمثل حكم البراءة الصادر عن محكمة الاستئناف حكمًا قضائيًّا واضحًا وصريحًا، يؤكد أن الاتهامات والدعايات التي رُوِّجت ضد عدد من قيادات النظام الجماهيري خلال السنوات الماضية كانت تفتقر إلى الأدلة والوقائع القانونية، وأن كثيرًا منها استند إلى حملات سياسية وإعلامية مفبركة قادتها أطراف معروفة بعدائها للنظام السابق.
ويكتسب هذا الحكم أهمية خاصة لأنه جاء بعد مسار قضائي طويل، بدأ بحكم أول صدر عن محكمة الاستئناف في طرابلس تحت ظروف استثنائية وضغوط مباشرة مارستها الجماعة الليبية المقاتلة والعناصر المسيطرة على سجن الهضبة، وعلى رأسها خالد الشريف، الأمر الذي انعكس على سلامة الإجراءات وطبيعة الأحكام الصادرة آنذاك.
غير أن المحكمة العليا قامت لاحقًا بنقض ذلك الحكم وإعادته إلى محكمة الاستئناف، التي أصدرت في النهاية حكم البراءة، رغم ما أحاط بالقضية من ضغوط وتهديدات واعتداءات طالت حتى بعض المحامين.
ويعكس صدور حكم البراءة ثقة المؤسسة القضائية في القانون وفي سلامة موقفها القضائي، كما يمثل إقرارًا عمليًّا ببطلان الكثير من المزاعم التي استُخدمت لتبرير الإقصاء والملاحقات بعد أحداث فبراير 2011.
دور القوات المسلحة ومجلس النواب في معالجة آثار المرحلة السابقة
شهد عام 2016 بداية أول معالجة فعلية لآثار المرحلة التي أعقبت أحداث 2011، وذلك مع انطلاق عملية الكرامة وإقدام مجلس النواب على إلغاء القوانين الإقصائية.
وقد تبنت القوات المسلحة العربية الليبية نهجًا قائمًا على إعادة الاعتبار للمتضررين، حيث عملت، في المناطق التي سيطرت عليها، على الإفراج عن السجناء المحتجزين لدى الميليشيات من السياسيين والمناضلين وقيادات النظام السابق، مع اتخاذ إجراءات لتعويضهم ورد الاعتبار لهم قدر الإمكان.
كما وفرت القوات المسلحة الحماية والإيواء للعديد من الخارجين من سجون الميليشيات في المنطقة الغربية، واستقبلتهم في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وساهمت في تأمين أوضاعهم المعيشية والاجتماعية.
كذلك أُتيحت الفرصة لعدد كبير من المهجرين، خصوصًا من قيادات وأنصار النظام الجماهيري، للعودة والاستقرار وتسوية أوضاعهم القانونية والوظيفية، بما مكن الكثير منهم من العودة إلى أعمالهم وحياتهم الطبيعية.
استحقاقات المرحلة بعد حكم البراءة
في ضوء صدور هذا الحكم القضائي النهائي، تبرز الحاجة إلى أن تستفيد السلطات القائمة في المنطقة الغربية من التجربة التي جرى تطبيقها في المنطقة الشرقية، عبر اتخاذ خطوات عملية تشمل الإفراج عن جميع السجناء المرتبطين بهذه القضايا، وجبر الأضرار، ورد المظالم إلى أصحابها، خاصة بعد أن أكد القضاء عدم صحة الاتهامات الموجهة إليهم.
لقد استندت القوات المسلحة ومجلس النواب في خطواتهما السابقة إلى قناعة راسخة ببطلان هذه التهم واعتبارها جزءًا من تصفية سياسية استهدفت شريحة واسعة من الليبيين.
أما اليوم، وبعد صدور حكم البراءة، فإن استمرار الاحتجاز أو الملاحقة لم يعد يجد أي مبرر قانوني أو أخلاقي.
وفي المقابل، تواجه الجهات والميليشيات المتورطة في هذه الانتهاكات تحديات قانونية متزايدة، في ظل الملاحقات الجارية أمام المحاكم الجنائية بشأن الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال السنوات الماضية، إضافة إلى تراجع الغطاء الشعبي والسياسي الذي استندت إليه لفترة طويلة.
وفي ختام هذا التقرير، فإن ما صدر عن القضاء الليبي من حكم لا يمثل مجرد فصل في قضية جنائية، بل يشكل اختبارًا حقيقيًّا لمدى احترام الدولة لمؤسساتها، وفي مقدمتها السلطة القضائية. وعليه، فإن محاولات التشكيك أو التهجم على القضاء الليبي، خاصة من قبل بعض الجهات التي اعتادت الطعن في مؤسسات الدولة، تُعد سلوكًا مرفوضًا قانونًا وأخلاقًا، ويتوجب التعامل معه بحزم عبر تطبيق القوانين التي تجرِّم ازدراء القضاء والتشكيك في نزاهته، حمايةً لهيبة الدولة وسيادة القانون، ومنعًا لتحويل الإعلام إلى أداة للنيل من العدالة بدل دعمها.
وفي المقابل، فإن هذا الحكم يفتح صفحة جديدة ينبغي أن تُبنى عليها مرحلة حقيقية من المصالحة الوطنية، قائمة على جبر الضرر، وتعويض المتضررين، ورد المظالم، وتهيئة الظروف لعودة المهجرين، بما يعزز وحدة المجتمع ويطوي آثار الانقسام. كما أن التجارب القائمة على الأرض، وخاصة ما تحقق من خطوات في بعض المناطق من استقرار نسبي وإجراءات عملية لمعالجة آثار المرحلة السابقة، تقدم نموذجًا يمكن البناء عليه وتعميمه، بما يسهم في ترسيخ الأمن وصون الحقوق وإعادة الاعتبار لكرامة المواطن.إن المرحلة الراهنة تفرض على جميع الأطراف تجاوز خطاب الصراع، والانخراط الجاد في بناء دولة المؤسسات والقانون، حيث يكون القضاء المستقل هو المرجعية العليا، وتكون المصالحة الوطنية مسارًا شاملًا لا استثناء فيه، وصولًا إلى ليبيا آمنة مستقرة يسودها العدل وتُصان فيها الحقوق.

زر الذهاب إلى الأعلى