“تنطعات” العدالة الانتقالية

بقلم / د. مصطفى الزائدي
الحكم التاريخي الذي أصدرته محكمة استئناف طرابلس بتاريخ 18/5/2026، والذي قضى بتبرئة المتهمين في القضية 630/2012 الخاصة بمحاكمة قيادات النظام الجماهيري بتهم مفبركة تتعلق بأحداث 2011، علاوة على كونه انتصارًا للعدالة والقضاء، فهو ردٌ قضائي على الدعايات والمبررات التي أدت إلى التدخل الأجنبي وإسقاط النظام الشعبي الشرعي وتدمير مؤسسات الدولة وتفتيت البلاد وتقسيمها إلى عدة كنتونات مستقلة لولا روابط شكلية هشة، وردُّ اعتبار لكل القيادات الثورية والشعبية والأمنية والعسكرية التي تحملت مسؤوليتها في الدفاع عن الوطن واستقلاله وسيادته، وتكريم للشهداء الأبرار الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن.
وبعيدًا عن الحملة المشبوهة التي تشنها بعض الأبواق المأجورة ضد القضاء الليبي والتي تطعن في نزاهة القضاة وحياديتهم، فإن أغلبية الشعب الليبي رحبت بهذا الحكم الشجاع الذي صدر رغم الظروف السياسية والأمنية الراهنة، وترى فيه مناسبة تاريخية لإعادة تقييم المواقف التي اتُّخذت في مرحلة الصراع تحت تأثير ماكينة دعائية ضخمة نجحت في الترويج للأكاذيب وتهييج بعض الناس واستعمالهم مخالب للتدخل الأجنبي الذي لم يتأخر، ففي سابقة تاريخية خلال شهر واحد في أزمة وصفت بأنها إنسانية، اتخذ مجلس الأمن قرارين جائرين متتاليين تحت الفصل السابع، وشنَّ حلف الناتو -قبل صدور القرار الثاني الذي استخدم ذريعة للتدخل- عدوانًا عسكريًّا غير مسبوق في تاريخه استمر ثمانية أشهر واستخدم فيه كل إمكاناته العسكرية والسياسية والدعائية والاستخباراتية لتدمير أجهزة الدولة العسكرية والأمنية والسياسية، وبعد صمود أسطوري ومقاومة باسلة استمرت لثمانية أشهر، نجح الناتو في إسقاط الدولة وفرض مجموعات من الإرهابيين لإدارتها مجزأة لخدمة أهدافه ومصالحه الاستراتيجية.
حكم محكمة استئناف طرابلس فرصة ينبغي استغلالها لطرح مشروع جدي للمصالحة المجتمعية بعيدًا عن «تنطعات» البعض الذين يطرحون أفكارًا خيالية حول العدالة الانتقالية أو «الانتقائية» كما يصفها الليبيون، محاولين استحضار الصراع العنصري في جنوب أفريقيا والمذابح القبلية بين الهوتو والتوتسي في رواندا وبوروندي، بالمطالبة بما سموه نموذج جنوب أفريقيا الذي بُني على المصارحة والاعتراف والاعتذار إلى آخره، وهو نموذج لا ينطبق بأي شكل على الأزمة الليبية المفتعلة والمنفذة بأجندات أجنبية.
هذا الحكم التاريخي وما سبقه من إجراءات اتخذها مجلس النواب والقوات المسلحة العربية الليبية في المنطقة الشرقية، هما الإطار الأمثل للمصالحة الحقيقية بين الليبيين بعيدًا عن عقد الحقد والانتقام والتشفي، وهو مقدمة ضرورية للدخول في إعادة بناء الدولة على قواعد يضعها ويقرها الليبيون ويلتزمون بها، ترتكز على الثوابت الوطنية المتمثلة في وحدة ليبيا واستقلالها والمساواة التامة بين الليبيين في الحقوق والواجبات والديمقراطية الحقيقية التي يتمكن من خلالها الشعب من تقرير مصيره وفرض إرادته، والعدالة الاجتماعية من حلال نظام اقتصادي يمنع التفاوت الطبقي والاستغلال ويؤمن حياة كريمة للجميع، وحق التعليم والرعاية الصحية بالتساوي بغض النظر عن مستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية، وأولًا وآخرًا نظام قضائي مستقل.
