الدينار بين قوة الماضي وتحديات الحاضر

بقلم/ عثمان الدعيكي
كثيرًا ما يُختزل مفهوم قوة العملة في النقاشات العامة بالرقم الذي تعادله أمام العملات الصعبة وتحديدًا الدولار الأمريكي، وكأن العملة الأقوى هي فقط التي تساوي دولارات أكثر. وخلال نقاش جمعني بأحد الإخوة حول ضعف الدينار الليبي وقوة الدينار الأردني والدينار الكويتي، كان يرى أن تفوقهما الاسمي على الدولار دليل كافٍ على قوة اقتصادهما. إلا أن الحقيقة الاقتصادية أكثر تعقيدًا من ذلك، فقوة العملة لا تُقاس بقيمتها العددية أمام الدولار فحسب، بل بمدى استقرارها وقدرتها على الحفاظ على قوتها الشرائية، وبقوة الاقتصاد المنتج، وحجم الاحتياطي النقدي، ومستوى الثقة بالمؤسسات المالية والسياسات النقدية للدولة. فالصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، يساوي الدولار فيها نحو سبعة يوانات تقريبًا، ورغم ذلك، فاليوان من العملات المؤثرة عالميًّا بفضل قوة الاقتصاد الصيني وقدرته الإنتاجية الهائلة. وكذلك اليابان، ثالث أكبر اقتصاد عالمي، يساوي الدولار فيها قرابة 150 ينًّا، ومع ذلك يُعتبر الينُّ من أكثر العملات استقرارًا وأمانًا في الأسواق الدولية. وهذا يؤكد أن قيمة العملة الحقيقية لا تكمن في الرقم الذي تظهر به أمام الدولار، بل في قوة الدولة التي تقف خلفها وقدرتها على إدارة الاقتصاد بكفاءة واستقرار. وللتبسيط أكثر، فهي قياس لما تساويه وحدة واحدة منها مقابل الدولار الذي يمكن للحكومة التأثير فيها كلما امتلكت أدوات التأثير. وبالتالي فالتفرقة بين أن الدولار يساوي 100 ين ياباني وفي الجانب الآخر يساوي 70 قرشًا أردنيًّا فهو كالفرق بين المتر الواحد و100 سنتيمتر!
ومن هذا المنطلق يمكن فهم التجربة الليبية مع الدينار، الذي كان يومًا من أقوى العملات العربية والأفريقية، ليس فقط لأنه كان يعادل قرابة ثلاثة دولارات أمريكية، بل لأن الدولة -آنذاك- امتلكت مقومات اقتصادية ومالية مكَّنتها من الحفاظ على استقرار العملة لفترات طويلة. فقد استفادت ليبيا، مثلها مثل باقي الدول النفطية، من التدفقات الدولارية الضخمة والاحتياطيات النقدية الكبيرة التي شكَّلت صمام أمان لحماية الدينار وضبط قيمته أمام العملات الأجنبية.
لكن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والدول الغربية على ليبيا خلال تسعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط، أدت إلى تراجع الإيرادات وانخفاض الاحتياطي النقدي، ما تسبب في تذبذب قيمة الدينار وتراجع سعره في السوق الموازي حتى وصل نحو ثلاثة دينارات مقابل الدولار الواحد في أواخر التسعينيات. لكن استقرار مؤسسات الدولة وسيطرتها على مفاصل الاقتصاد مكَّنا من احتواء الأزمة نسبيًّا، لتعود قيمة الدينار لاحقًا إلى مستويات أكثر استقرارًا، ولم تتجاوز 1.25 دينار للدولار الواحد حتى 2011.
أما بعد عام 2011، فقد دخل الاقتصاد الليبي مرحلة أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد المشكلة في ضعف الموارد كما كان الحال خلال سنوات الحصار، بل في سوء الإدارة والانقسام السياسي وغياب الرقابة وسيطرة المصالح الخاصة على مقدرات الدولة. فرغم أن أسعار النفط تجاوزت في بعض السنوات 90 دولارًا للبرميل، مقارنة بأقل من 20 دولارًا في فترات التسعينيات، فإن هذه الإيرادات الضخمة لم تنعكس على استقرار الاقتصاد أو قوة الدينار.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن ليبيا حققت خلال بعض السنوات بعد 2011 عائدات نفطية قاربت 25 مليار دولار سنويًّا، إلا أن الفساد والإنفاق غير المنضبط وتهريب العملة والاعتمادات الوهمية ساهمت في استنزاف جزء كبير من هذه الموارد. ومع غياب الرقابة الفعلية وتراجع هيبة القانون، انهارت قيمة الدينار تدريجيًّا حتى تجاوز الدولار حاجز 13 دينارًا في بعض الفترات، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ ليبيا.
ورغم محاولات مصرف ليبيا المركزي السيطرة على السوق عبر فرض رسوم على بيع النقد الأجنبي وتقنين توزيعات الدولار، لا يزال سعر الصرف في السوق الموازية يدور قرب 8.50 دينار للدولار، في مؤشر واضح على استمرار أزمة الثقة الاقتصادية والنقدية.
إن استعادة قوة الدينار لا تتطلب فقط زيادة الإيرادات أو رفع أسعار النفط، بل تحتاج قبل كل شيء إلى دولة قوية بمؤسساتها، واقتصاد منظم تحكمه القوانين والرقابة والمحاسبة. فغياب الردع وفتح المجال أمام الفساد والإثراء غير المشروع كانا من أبرز أسباب استنزاف ثروات البلاد وإضعاف عملتها الوطنية. ولذلك فإن تفعيل قوانين مكافحة الفساد، وعلى رأسها قانون “من أين لك هذا؟”، وإخضاع كل من عبث بالمال العام للمحاسبة العلنية، أصبح ضرورة لإنقاذ الاقتصاد وإعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.
فعندما تصبح قوة القانون أعلى من قوة النفوذ والسلاح، وعندما تُدار الثروة الوطنية بشفافية وعدالة، يمكن للدينار الليبي أن يستعيد هيبته تدريجيًّا، ويبدأ الاقتصاد الوطني طريقه نحو التعافي والاستقرار الحقيقي.
