مقالات الرأي

التأخير.. متى يعتبر غيابًا وفق قانون علاقات العمل؟


بقلم/ غادة الصيد
يشهد الوسط الوظيفي جدلًا متكررًا حول مسألة التأخير عن مواعيد العمل، وما إذا كان يخول لجهة العمل اعتبار الموظف في حكم الغائب، وما يترتب على ذلك من خصومات أو جزاءات إدارية وبين حقوق جهة العمل في فرض الانضباط داخل المؤسسة وحقوق العامل والموظف التي كفلها قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010.ومن هنا، تساؤلات عديدة حول الحدود القانونية الفاصلة تبرز التأخير والغياب ومدى مشروعية العقوبات المترتبة على كل منهما.
إن الأصل في علاقة العمل أن يلتزم العامل والموظف بمواعيد الحضور والانصراف المحددة من قبل جهة العمل.باعتبار أن انتظام العمل يعد من أهم الواجبات الوظيفية التي تقوم عليها المؤسسة العامة والخاصة، وفي المقابل ألزم قانون علاقات العمل السابق الإشارة إليه جهة العمل باحترام حقوق العامل والموظف وعدم توقيع أي جزاء إلا وفق الضوابط القانونية واللوائح التنظيمية المعتمدة، ومن الناحية القانونية، فإن التأخير عن موعد العمل لايعد تلقائيًّا غيابًا بالمعنى القانوني الكامل إلا إذا نصت اللوائح الداخلية المعتمدة بالمؤسسة على حالات معينة يعتبر فيها التأخير المتكرر أو الطويل في حكم الغياب أو المخالفة الجسيمة، لذلك فإن التفرقة بين التأخير والغياب تعد مسألة جوهرية عند تطبيق الجزاءات التأديبية. والتأخير قد يكون لبضع دقائق نتيجة ظرف طارئ أو ازدحام أو عطل مفاجئ، وهنا غالبًا ما تتجه التشريعات واللوائح إلى اعتبار مخالفة بسيطة تستوجب التنبيه أو الخصم المحدود وفقًا للائحة الجزاءات.أما الغياب فهو انقطاع العامل أو الموظف عن العمل خلال يوم العمل أو جزء جوهري منه دون إذن أو مبرر مشروع.
كما أن قانون علاقات العمل اشترط أن تكون الجزاءات التأديبية واضحة ومعلنة مسبقًا، بحيث لايجوز لجهة العمل فرض عقوبات تعسفية أو اعتبار كل تأخير غيابا دون وجود سند تنظيمي معتمد، ولهذا فان أي إجراء تتخذه جهة العمل يجب أن يستند إلى لائحة داخلية معتمدة تتضمن تنظيم الحضور والانصراف والجزاءات المترتبة على المخالفات.
وفي الواقع العملي، تلجأ بعض جهات العمل إلى تجميع ساعات أو مرات التأخير واحتسابها كغياب جزئي أو يوم كامل، وهو إجراء قد يكون مشروعًا إذا ورد صراحة في اللائحة الداخلية وتم تطبيقه بصورة عادلة ومتساوية بين العاملين دون تمييز أو تعسف.
إن التأخير عن العمل لايعنى بالضرورة الغياب، ولايخول لجهة العمل اتخاذ أي إجراء إلا في حدود ما يقرره قانون علاقات العمل واللوائح التنظيمية المعتمدة، فالعلاقة بين جهة العمل والموظف والعامل يجب أن تقوم على التوازن بين الانضباط الوظيفي واحترام الضمانات القانونية للموظف والعامل بعيدًا عن التعسف أو التساهل المفرط.
كما أن وضوح اللوائح الداخلية وعدالة تطبيق الجزاءات ومراعاة الظروف الواقعية للعاملين كلها عوامل تسهم في خلق بيئة عمل مستقرة ومنظمة تحفظ حقوق جميع الأطراف ويبقى الالتزام بالحضور والانضباط المهني مسؤولية مشتركة، لا تستقيم بيئة العمل دونها، ولاتتحقق العدالة الوظيفية إلا في إطار القانون.

زر الذهاب إلى الأعلى