مقالات الرأي

البراءة وإن طال الزمن


بقلم/ ناجي إبراهيم
من الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية الغربية، بل يعتبرها البعض ركنًا من أركانها ما يسمى مبدأ الفصل بين السلطات الذي يدعو إلى عدم تدخل أي سلطة في أعمال السلطة الأخرى من سلطات نظام الحكم الثلاث، والتي اعتبرها الغرب ومن لحق بهم معتقدًا بفكرهم معيارًا من معايير الحكم على النظام السياسي ومدى قربه أو بعده عن الديمقراطية. وتسابقت الدول على تبني هذا النموذج دون التفكير في مدى ملاءمته لبيئتها المحلية وثقافات شعوبها، وأوجدت له الأطر القانونية والدستورية حتى تبعد عنها شبهة الاستبداد والدكتاتورية، حتى وإن تعارضت بنيتها القانونية مع الممارسة السياسية في الواقع، ما أدخل هذه البلدان في صراعات ونزاعات مسلحة مزقت نسيجها الاجتماعي، وأوجد بوابات يدخل منها الخارج الذي غذى هذه الصراعات، وأنشأ مراكز قوى ترتبط بسياساته ومصالحه.
ويصبح الصراع على السلطة هو السمة الغالبة والشغل الشاغل لتلك القوى، ولا أحد يلتفت إلى عمليات النهب التي تجري لثروات الشعب التي تمارسها القوى التي ترعى الصراع وتغديه وتؤججه تحت عناوين المنافسة الديمقراطية، التي يلوكها كل (الشمامين والجلبيين) من مخرجات المجاري الغربية يتكؤون على الدعم الاستعماري الذي لم يحم كارازيات أفغانستان من غضب الشعب الأفغاني، ولم يحم في الماضي شاه إيران وهو يسقط تحت أقدام الشعب الإيراني، هم لم يقرأوا التاريخ ولم يستلهموا العبر من تجارب الشعوب ما جعلهم مطية سهلة وطيعة لمأرب الإمبرياليين والمستعمرين في كل الأزمان مع تبدل الأسماء.
لكل زمن (بورغال) وما أكثر بورغال هذا الزمن وأكثر صفاقة وأشد قبحًا منه، لنكتشف عمالة بورغال وارتباطه بجيوش الغزو التي اجتاحت بغداد قبل أكثر من عشرة قرون انتظرنا حتى كتب لنا المؤرخون عنه، ولكن اليوم والزمن غير الزمن، في كل يوم نقرأ ونسمع ونشاهد عشرات البورغال وهو يزين لنا وجه المستعمرين بالمساحيق ويعطرهم بأجواد أنواع العطور ويصور لنا جنتهم الموعودة التي ستنقلنا من عالم قالوا عنه استبدادي إلى عالم التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولم ينتظروا طويلا فانفجروا غضبًا ضد حكم قضائي وفق القوانين السارية ووفق القرائن التي وجدت في الملفات، ولم يلتفتوا إلى شعار سوقوا به دعايتهم الكاذبة مبدأ الفصل بين السلطات (لاسلطان على القضاء) ولايمكن الطعن في أحكام القضاء إلا من خلال الإجراءات المعمول بها في التقاضي.
كل الذي يحدث من حملة شعواء ضد القضاء الليبي منذ صدور الحكم بالبراءة في حق مواطنين ليبيين في تهم نعتبرها كيدية ومختلقة تهدف إلى تشويه وشيطنةحقبة كاملة ونظام كامل، يبين بدون مجال للشك أن هؤلاء هم من يقف خلف الفوضى التي حدثت بعد العام 2011 والمستمرة حتى اليوم بدعم وتحريض قوى خارجية تستفيد من إدامتها واستمرارها، وفي الوقت نفسه بينت نزاهة القضاء الليبي وأعطتنا الثقة فيه رغم ما عرفته هذه القضية من تمديد رفع عنه صفة (القضاء الناجزة)، وهذا يعد في عرف القضاء عقاب (تجريم)بدون ثبوت التهمة وللقضاء العذر في ذلك نتيجة الظروف الأمنية والاضطرابات التي عاشتها وتعيشها البلاد منذ نكبة فبراير التي ابتلينا بها كما ابتلينا بمجموعات من المطبلين لها.
الحكم الذي انتظرناه طويلا ولثقتنا في عدالة القضاء وبراءة الرجال الذين يقفون خلف القضبان لا جرم ارتكبوه بل كانوا يقوموا بواجبهم الوطني والقانوني والأخلاقي لحماية شعبهم والدفاع عن وطنهم وفقًا لمواقعهم ومسؤولياتهم، جاء الحكم ليبرئ هؤلاء الرجال وليفضح زيف الذين صموا آذاننا بالحديث عن الحرية والديمقراطية والفصل التام بين السلطات، ونراهم اليوم يتدخلون في شأن قضائي ويعتدون على وظيفة القضاء التي يجب أن تكون على مسافة واحدة بين المواطن والدولة وبين مؤسسات السلطة،ولاينبغي لها أن تنحاز إلى طرف ضد الآخر، فضحوا أنفسهم وانكشفوا أمام الليبيين وبينوا أنهم كانوا أدوات تستخدمها المخابرات الغربية والأمريكية في تهديم الدولة الليبية التي يأتي القضاء كأهم ركن من أركانها.
القضاء كان يجب منذ البداية أن يكون خارج أي تجاذبات سياسية أو صراعات أيديلوجية وبعيدًا عن سلطة وهيمنة الميليشيات، وأن يكون بعيدًا عن فتاوى من نصب نفسه مفتيًا.
وبهذا الحكم تبين للجميع أن فبراير كانت مؤامرة تم التخطيط لها في مطابخ المخابرات الغربية، استخدمت القتل والترويع والتخويف، حتى الإغراءات المادية، وجميع الذيناشتركوا أو انخرطوا فيها كانوا يتلقون الأوامر من غرف عمليات الناتو المنتشرة في منطقة البحر المتوسط، وكل الذين قتلوا أو غيبوا دمهم في رقبة من يدعون أنهم قادة فبراير من غوقة والشمام إلى المقريف والمفتي.

زر الذهاب إلى الأعلى