مقالات الرأي

الأمن الصحي الشامل في ليبيا

بقلم د.علي المبروك أبوقرين

في زمن لم تعد فيه الأوبئة أحداثًا عابرة إنما تحولات كاشفة لعمق اختلالات الدول، تقف ليبيا أمام اختبار لا يقاس بعدد المستشفيات ولا بحجم الإنفاق إنما بقدرتها على حماية الحياة نفسها.

فالصحة لم تعد قطاعًا خدميًا إنها مرآةً للسيادة ومؤشرًا على تماسك الدولة، وقدرتها على إدارة الخطر قبل أن يتحول إلى كارثة. لقد علّمتنا الجوائح من كوفيد ومتحوراتها إلى إلى موجات الحصبة والتهاب الكبد أن المرض لا ينتظر اكتمال المؤسسات، ولا يحترم الانقسامات السياسية، وأن الفيروسات قد تكون أحيانًا أكثر تنظيمًا من الأنظمة الصحية التي تواجهها. وفي ليبيا حيث يتوزع النظام الصحي بين مؤسسات وهياكل موازية وتتعدد الأجسام وتتفرق الميزانيات، يصبح التهديد الصحي مضاعفًا: تهديدًا بيولوجيًا من جهة، ومؤسسيًا من جهة أخرى.

وتتعمق هذه الهشاشة مع تحذيرات دولية متزايدة من فيروسات عالية الخطورة كالهانتا وإيبولا، ومع عودة أمراض كان يُظن أنها تحت السيطرة مثل الدرن (السل) والحصبة، وظهور حالات من الجرب في بيئات مكتظة. وهنا لا تكمن الخطورة في وجود المرض فقط إنما في البيئة الحاضنة له ومن هجرة غير نظامية واسعة، تتحرك دون ضوابط صحية، وتتكدس في تجمعات سكنية بدائية أو معسكرات تفتقر لأبسط شروط الصحة العامة، ثم تتداخل تدريجيًا مع النسيج السكاني.

في مثل هذه الظروف، لا تكون العدوى حادثًا بل احتمالًا دائمًا. إن الأمراض المعدية على تنوعها من فيروسات نادرة إلى أمراض واسعة الانتشار ليست مجرد تحديات طبية إنها اختبارات لقدرة الدولة على الرصد المبكر والاستجابة السريعة، والتطعيم الشامل، والتواصل المجتمعي الفعال.

أما الأمراض المزمنة كالسكري وأمراض القلب فهي الوجه الآخر للأزمة، حيث لا تأتي في موجات صاخبة إنها تستنزف النظام الصحي بصمت، وتكشف خللًا في أنماط الحياة، وفي غياب الوقاية، وفي ضعف الرعاية الأولية.

ثم تأتي الأورام والأمراض المناعية والأمراض النادرة والمستعصية بما تتطلبه من تشخيص دقيق، وعلاجات متقدمة، وتكلفة عالية، لتضع النظام الصحي أمام تحد أكثر تعقيدًا وكيف يمكن لدولة تعاني من الانقسام المؤسسي أن تدير طبًا عالي التخصص وكيف يمكن توفير العدالة في الوصول إلى خدمات بهذا التعقيد؟ وتمتد الأسئلة إلى مجالات أكثر حساسية، كزراعة الأعضاء والتدخلات العلاجية المعقدة، التي لا تقوم فقط على مهارة طبية إنما على منظومة متكاملة من التشريعات والبنية التحتية والثقة المجتمعية.

وفي قلب كل هذه التحديات تبرز قضية لا تقل أهمية وهي الأمن الدوائي وسلاسل الإمداد. فالدولة التي لا تملك قرار دوائها لا تملك قرار صحتها.

وقد أثبتت الأزمات العالمية أن الاعتماد الكامل على الخارج في الدواء والمستلزمات الطبية هو مقامرة خطيرة، وأن سلاسل الإمداد قد تنهار في لحظة، تاركة الأنظمة الصحية في مواجهة العجز.

ومن هنا يصبح توطين الصناعة الدوائية، وبناء مخزون استراتيجي، وإدارة الإمداد بكفاءة، جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي.

لكن الأمن الصحي الشامل، في لحظته الليبية الراهنة يحتاج إلى ما هو أبعد من التشخيص، يحتاج إلى جاهزية حقيقية تقوم على محاور مترابطة لا تقبل التأجيل ومنها

– تعزيز نظم الترصد الوبائي، من خلال بناء شبكة وطنية موحدة للرصد المبكر، تعتمد على البيانات اللحظية، وتغطي كل المناطق بما فيها التجمعات الهشة ومواقع الهجرة، مع ربطها بمختبرات مرجعية قادرة على التشخيص السريع والدقيق.

– تشديد الرقابة الصحية على المنافذ البرية والبحرية والجوية، ليس بمنطق الإغلاق، بل بمنطق الإدارة الذكية للمخاطر، فحص صحي منظم، نقاط عزل مؤقتة، بروتوكولات واضحة للتعامل مع الحالات المشتبهة، وتدريب الكوادر العاملة في الخطوط الأمامية.ثالثها: تحسين أوضاع التجمعات السكانية عالية الخطورة، خاصة تلك المرتبطة بالهجرة غير النظامية، عبر تدخلات إنسانية وصحية عاجلة وتوفير مياه نظيفة، وصرف صحي، وخدمات تطعيم، ورعاية أولية، وبرامج توعية. فإهمال هذه البيئات لا يحاصر الخطر إنما يوسعه.

– رفع مستوى التغطية بالتطعيمات الأساسية، خصوصًا ضد الحصبة والسل، وتفعيل حملات تطعيم مرنة تصل إلى كل الفئات، بما فيها الفئات المتنقلة والهشة.

– تعزيز التوعية الصحية المجتمعية بلغة واضحة، وخطاب قريب من الناس، يشرح المخاطر دون تهويل، ويعزز السلوكيات الوقائية، ويواجه الشائعات بالمعلومة.- بناء قدرات الاستجابة السريعة من خلال فرق مدربة، وخطط طوارئ محدثة، وسيناريوهات جاهزة للتعامل مع الفاشيات، بما في ذلك توفير مخزون استراتيجي من الأدوية والمستلزمات الوقائية.

– تفعيل التعاون الإقليمي والدولي، لأن الأوبئة لا تعترف بالحدود. وليبيا بحكم موقعها، تحتاج إلى شراكات فاعلة مع دول الجوار والمنظمات الدولية، لتبادل المعلومات، وتنسيق الاستجابات، والحصول على الدعم الفني واللوجستي عند الحاجة.

– توحيد الحوكمة الصحية، لأنه لا يمكن لأي من هذه الإجراءات أن ينجح في ظل تعدد مراكز القرار. فالأمن الصحي لا يحتمل الازدواج، ولا يقبل التنازع المؤسسي.

ورغم كل هذه التحديات يبقى الأمل قائمًا ليس كحلم مثالي إنما كإمكانية واقعية إذا ما تحولت الصحة إلى مشروع وطني يتجاوز الانقسام، ويعيد ترتيب الأولويات ويستثمر في الإنسان قبل كل شيء.

وحين تصبح الجاهزية ثقافة والترصد عادة، والتعاون نهجًا عندها فقط يمكن لليبيا أن تنتقل من موقع المتلقي للإنذارات إلى موقع صانع الأمان. ومن إدارة الخطر إلى صناعة العافية.-

زر الذهاب إلى الأعلى