قادربوه والتابوهات المحرمة

بقلم/ عفاف الفرجاني
في لحظة نادرة داخل المشهد الليبي المزدحم بالتضليل والخوف والمجاملات السياسية، خرج رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبدالله قادربوه بتصريحات أربكت الجميع، ليس فقط بسبب الأرقام الصادمة التي كشفها، بل بسبب اللغة التي استخدمها أيضًا. للمرة الأولى، يتحدث مسؤول بهذا المستوى عما جرى منذ 2011 باعتباره (تحولًا سياسيًّا) لا (ثورة)، وهي كلمة تحمل في حد ذاتها اعترافًا ضمنيًّا بأن ما حدث لم يؤسس لدولة، بل فتح أبواب الفوضى والانقسام والانهيار المالي والإداري على مصراعيها.
الرجل لم يأت بخطاب شعبوي، ولم يلقِ قصائد وطنية، مع أنه (فبرايري)، بل تحدث بلغة الأرقام: تريليون ومليارات أُنفقت، ديون تجاوزت 31 مليار دينار على المؤسسة الوطنية للنفط، عجز في النقد الأجنبي بمليارات الدولارات، وانهيار شبه كامل للبنية الصحية والتعليمية والخدمية. لكن الحقيقة التي يعرفها الليبيون أن حتى رقم “التريليون” ليس الرقم الحقيقي الكامل، لأن هناك إنفاقًا موازيًا جرى خارج الميزانيات، وصفقات لا تخضع للرقابة، وعائدات نفط لم تدخل بوضوح إلى مصرف ليبيا المركزي، وجهات كاملة امتنعت أو تقاعست عن تقديم بياناتها المالية. بمعنى أوضح: ما كُشف حتى الآن قد يكون فقط جزءًا من جبل الجليد.
الشارع الليبي اليوم لم يعد كما كان قبل سنوات. الناس باتت تدرك أن هناك ماكينة ضخمة تعمل على تمييع القضايا الحقيقية، وصناعة معارك جانبية كلما اقترب أحد من ملفات الأموال والفساد والإنفاق المشبوه. وهنا تحديدًا بدأت آلة التنظيمات المؤدلجة، وعلى رأسها جماعة الإخوان والتيارات المتطرفة المرتبطة بخطاب السرطان الخبيث مفتي الإخوان الصادق الغرياني، في التحرك بسرعة عبر منصات التواصل والجيوش الإلكترونية التابعة لها لمحاولة قلب المشهد بالكامل.
فبدلًا من أن يناقش الليبيون سؤال: أين ذهبت أموال الدولة؟ ومن المسؤول عن ضياع التريليونات؟ جرى سحب النقاش نحو قضايا جانبية وأسماء يتم استهلاكها إعلاميًّا منذ سنوات، بقضايا مرتبطة بفئة الثمانينات، حيث لا حقيقة ولا إثباتات، وحدها المؤامرة التي يقتات عليها باعة الوطن، وكأن ليبيا لا تعيش اليوم جرائم قتل يومية، وخطف نساء، واغتيالات، ونهب مال عام، وفسادًا ماليًّا غير مسبوق. فإذا كان المطلوب فعلًا فتح ملفات جنائية وعدالة ومحاسبة، فلماذا لا تُفتح ملفات المقابر الجماعية بعد 2011؟ ولماذا لا يُحاسب المسؤولون عن الميليشيات والسجون السرية والاغتيالات وتهريب المال العام؟
ما يحدث الآن هو محاولة واضحة لوضع قادربوه في مرمى الاستهداف السياسي والإعلامي، لأنه ببساطة اقترب من المنطقة المحرمة، وفك شيفرات منطقة المال التي كانت ضمن تابوهات التموين الإرهابي، والمستفيدين منها.
ولذلك بدأت حملات التأليب ضده، ليس لأنه أخطأ، بل لأنه قام بخطوة حسبت له كموقف وطني فرضتها عليه مسؤوليته الأخلاقية والرقابية أمام شعب أنهكته الشعارات وسرقت ثرواته تحت عناوين براقة.
في تقديري لقد أدرك الليبيون أخيرًا أن أخطر ما جرى منذ 2011 لم يكن فقط انهيار الدولة، بل تحويل الفساد إلى أمر اعتيادي، وتحويل كل من يحاول كشف الحقيقة إلى متهم يجب إسقاطه.
وهنا أقول إذا استمر قادربوه على هذا النهج الصريح في كشف الحقائق وفتح ملفات الإنفاق والفساد دون خوف، فإنه سيكسب تدريجيًّا احترام القاعدة الشعبية الليبية التي سئمت من الخطابات المعلبة والشعارات الفارغة، وباتت تبحث عن مسؤول يتحدث بلغة الأرقام لا بلغة الدعاية. لكن في المقابل، ستتسع دائرة خصومه داخل شبكات النفوذ السياسي، من بعض الأطراف المتغلغلة في المجلس الأعلى للدولة إلى الجماعات المتطرفة والتيارات المؤدلجة التي بنت سرديتها طوال سنوات على تشويه كل ما يمتُّ بصلة للنظام السابق. وصنعت معارك جانبية لإلهاء المجتمع والشارع الليبي عن قضاياه الأساسية، أوله خيانتهم لبلدهم وللمال المنهوب والفساد والانهيار الممنهج.
