مقالات الرأي

واشنطن ترسم ملامح ليبيا: قراءة في مبادرة مسعد بولس – الجزء الأول


بقلم/ فرج بوخروبة


تأتي المبادرة الأمريكية الأخيرة في ليبيا، والتي يحمل لواءها المبعوث مسعد بولس، لتضع الأزمة الليبية أمام منعطف مغاير تمامًا للمحاولات التقليدية التي ألفها المشهد منذ سنوات. هذه المبادرة لا يمكن قراءتها كواحدة من محاولات التوفيق العابرة التي تقودها البعثات الأممية المتعاقبة، بل هي إشارة صريحة إلى دخول قوة كبرى بثقلها المباشر لضبط إيقاع الملف، انطلاقًا من إدراك واشنطن العميق بأن استمرار حالة “الفراغ الاستراتيجي” في ليبيا لم يعد مجرد شأن داخلي أو أزمة حدودية، بل تحول إلى خطر إقليمي يهدد مصالح الولايات المتحدة الحيوية وتوازنات القوى في حوض المتوسط وشمال إفريقيا، في توقيت يشهد العالم فيه إعادة تشكيل كبرى لموازين القوى العالمية.
إن جوهر التحرك الأمريكي يتجاوز التفاصيل التقنية المتعلقة بإعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أو تشكيل المجلس الرئاسي والحكومة الموحدة، ليصب في رؤية سياسية أوسع تهدف إلى نقل الدولة الليبية من دائرة الصراع المفتوح إلى ما يمكن تسميته بـ “الاستقرار المُدار”، واشنطن، التي تراقب بقلق تصاعد النفوذ الروسي عبر “الفيلق الإفريقي” والتغلغل الاقتصادي الصيني المتزايد، تسعى اليوم إلى قطع الطريق أمام أي فراغ أمني قد تستغله القوى المنافسة. إنها محاولة أمريكية لفرض “قواعد اشتباك” جديدة تضمن تدفق الطاقة في سوق عالمي مضطرب، وتثبت نفوذ الغرب في منطقة تعتبرها واشنطن “خاصرة رخوة” للأمن الأوروبي والأطلسي، ما يجعل من استقرار ليبيا ضرورة أمنية قومية أمريكية قبل أن يكون مطلبًا محليًّا صرفًا.
بيد أن هذا الزخم الدولي يصطدم ببنود غير مكتوبة في الدستور الواقعي للأزمة الليبية؛ وهي بنود تفرضها القوى المحلية التي احترفت على مدار عقد من الزمن فن “البقاء في الفراغ”. فالحديث عن حكومة موحدة أو إعادة ترتيب المؤسسات السيادية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو عملية جراحية في قلب شبكة من المصالح المعقدة التي تشكلت وتجذرت بين أطراف النزاع. هنا تبرز المعضلة الكبرى: كيف يمكن لواشنطن أن تقنع طبقة سياسية، ترى في الاستقرار الشامل تهديدًا وجوديًّا لمكاسبها، بأن تنخرط في مسار قد ينتهي بإزاحتها؟ إن القوى المحلية في ليبيا، شرقًا وغربًا، أصبحت تمتلك “فيتو” واقعيًّا يستمد قوته من السيطرة الميدانية والتحالفات العسكرية، وهو ما يجعل من أي مبادرة دولية، مهما بلغت قوتها، رهينة لمدى قدرتها على تفكيك هذه العقد دون الانزلاق نحو صدام مسلح جديد يعيد البلاد إلى المربع الأول.
وعلى صعيد الأمن الإقليمي، تكتسب مبادرة “بولس” أهميتها من كونها محاولة لخلق مركزية أمنية قادرة على ضبط الحدود ومنع تسرب الفوضى نحو منطقة الساحل والصحراء. فليبيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة لم تعد مجرد خزان للنفط، بل هي بوابة أمنية حاسمة في ظل التحولات الدراماتيكية التي تشهدها دول الجوار من انقلابات عسكرية وتبدل في الولاءات الدولية.
إن واشنطن تدرك أن استمرار الانقسام العسكري يمنح خصومها فرصة ذهبية لتحويل الأراضي الليبية إلى قاعدة انطلاق لعمليات عابرة للحدود؛ لذا فإن المبادرة تهدف في أبعادها غير المعلنة إلى خلق سلطة قادرة على التنسيق الأمني الوثيق، وسد الثغرات التي نفذ منها المنافسون الدوليون في مناطق كانت تعتبر تاريخيًّا مناطق نفوذ تقليدية للغرب، خاصة في ظل التراجع الفرنسي الملحوظ في القارة السمراء، ما يفرض على واشنطن ملء هذا الفراغ قبل أن يستحيل نفوذًا مضادًا بالكامل.
ولا تكتمل قراءة هذه المبادرة دون النظر إلى موقف القوى الإقليمية المتداخلة في الشأن الليبي؛ فالمبادرة الأمريكية لا تتحرك في فراغ، بل تصطدم وتتقاطع مع أجندات دول الجوار والقوى الإقليمية المؤثرة. واشنطن تحاول من خلال مسعد بولس خلق نقطة التقاء “برغماتية” توفق بين مصالح هذه القوى وبين الرؤية الأمريكية للحل، مدركةً أن أي اتفاق لا يحظى بحد أدنى من القبول الإقليمي سيبقى عاجزًا عن النفاذ إلى الواقع الأرضي.
إن التحدي يكمن في تحويل ليبيا من ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية إلى منطقة “عازلة” تضمن استقرار المصالح المشتركة، وهو أمر يتطلب دبلوماسية رفيعة المستوى وقدرة على ممارسة ضغوط تتجاوز مجرد التلويح بالعقوبات التقليدية.

زر الذهاب إلى الأعلى