مقالات الرأي

هل التخلف العربي نتيجة عجز لغة أم عجز عقل أم الاثنين معًا؟


بقلم/ محمد عبد القادر


هل اللغة مجرد أداة للتواصل أم هي “روح الأمة”؟ فليست اللغة مجرد وسيلة للتواصل اليومي أو ممارسة طقس ديني، بل هي كذلك حقل معرفي دقيق له مدارسه ومناهجه العلمية الصارمة. اللغة عمقًا ليست مجرد أصوات وكلمات متراصة وجمل مكررة ومعبرة عن احتياجاتنا ومشاعرنا وأفكارنا، لكنها بمعنى أشمل هي روح الأمة والمرآة التي تعكس رؤية الإنسان للكون؟
هنا نستشهد بمقتطفات من كتاب اتجاهات البحث اللساني للعالمة الصربية ميلكا إفيتش الذي يعتبر واحدًا من أهم المراجع الأكاديمية في تاريخ علم اللغة، ترجمة أ.د. سعد عبد العزيز مصلوح، وأ.د. وفاء كامل فايد.وهذا الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي لعلم اللغة وتطور اللسان، بل هو تحليل عميق للتحولات الفلسفية والمنهجية التي جعلت من اللسانيات علمًا مستقلًا. وهنا نستشهد بمقتطف من الكتاب المذكور ليكون مدخلنا لفكرة المقال وموضوعه: “إن اللغة في طرح ميلكا إفيتش ليست مجرد رصيد من المفردات، بل هي المنظومة التي تمنح الإنسان القدرة على تنظيم خبراته؛ فهي الأداة التي لا نكتفي بوصف العالم من خلالها، بل نعيد صياغته وتغييره”، يمكننا أن نؤكد أن خلاصة الكتاب: “الكتاب هو رحلة من “فلسفة اللغة” إلى “علم اللغة”، تؤكد فيه إفيتش أن كل اتجاه لساني جديد لم يلغِ ما قبله، بل كان يبني عليه أو يعيد صياغة أسئلته برؤية أعمق”، وذلك لاستمرار استجابة اللغة للتطور والتقدم وتغيير حياة الإنسان.
في محاولة جادة للإجابة عن التساؤلات التي سبق طرحها وغيرها، نغوص في أعماق واحد من أهم المراجع الأكاديمية في تاريخ علم اللغة، هذا الكتاب لا يقدم مجرد سرد تاريخي جاف، بل يرصد للقارئ رحلة الفكر الإنساني مع اللغة بدقة وموضوعية، ويضع بين يديه الخريطة المعاصرة لمذاهب علماء اللسان. ليست اللغة التي نقصد هي الحروف التي ترسم شكل الكلمات ولا الكلمات التي ترسم أبعاد الجمل، ولا تلك الجمل التي تنسج الفقرات في شكل نص، لكن اللغة التي نقصد هي الروح التي تسكنها، وهي الكينونة التي تكون عليها، وهي إرادة الانبعاث التي تتجدد لتصنع رسوخ الفكر. لكن علينا أن نبين القصد من مفهوم كينونة اللغة وإرادة الانبعاث. تبدأ الهزيمة الحضارية من ثغرة في العتاد أو جفاف في الموارد، بل تبدأ من اللحظة التي تفقد فيها اللغة صلتها بـ “الإرادة”، فتتحول من مختبرٍ لصياغة المفاهيم الكبرى إلى مجرد صدىً باهت لأنين الانكسار. إن التخلف العربي، في جوهره، ليس قدرًا لغويًّا ناجمًا عن عجز في القواميس، ولا نقصًا عقليًّا في “جينات” الفكر، بل هو عطبٌ في “روح التفكير الحر”، واستقالة طوعية من يقينية القدرة على صناعة التاريخ.
اللغة.. الحركية التي يمتطيها التفكير الحر لأن اللغة ليست مجرد “وعاء” نملأهُ بما نشاء من موروث، بل هي “الجهاز العصبي” الذي ينقل إشارات السيادة أو الخنوع. والواقع أننا أمام حلقة مفرغة؛ فإذا حُبِسَ العقل في أقبية الخوف، تيبست اللغة واستحالت إلى عملية “تحنيط” لفظي يقدس الماضي ويخاصم العصر.
إن ما نعيشه هو هيمنة لـ “لغة الأنين”؛ تلك التي تستخدم البلاغة للحجب والتبرير، لا للكشف والتنوير، حيث تتحول الكلمات إلى مخدرٍ موضعي يغلف العجز بدلًا من أن يحرر الفعل.
من أين تكَوَّن هذا العجز اللغوي عند أمتنا المعاصرة التي حنطت لغتها؟ إنها جناية المناهج.. نتاج سدنة “التحنيط” اللغوي.
لذلك يمكننا القول إن الأزمة البنيوية تكمن في مؤسساتنا التعليمية في تعاملها مع اللغة كـ “جثة” فوق طاولة التشريح الجاف، تُقَطَّع أوصالها بين قواعد صماء وقوالب جاهزة، ما يصنع “انفصامًا” معرفيًّا لدى الأجيال.
إن “روح اللغة” الحية هي التي تصنع قوامها، وهي كذلك الروح التي تُغتال يوميًّا حين يُقدم النحو كقيود، لا كأداة لبناء الحجة المنطقية والفكر المقاوم. إن “ثورة المناهج” ضمن مشروع ثقافي شامل هي الرهان لاستعادة “سيادة العقل” على أدواته، وتحويل اللغة من “مادة تحنيط” إلى “مادة حياة”. وتحويل النخبة من “وبال” التبرير إلى قادة التنوير، أما “النخبة المثقفة”، فقد تحولت في مجملها إلى “وبال” على الوعي الجمعي.
لقد انقسمت هذه النخبة بين “خانعٍ” طوَّع بيانه لخدمة السكون، وخائفٍ يلوذُ بالصمت طلبًا للسلامة، وانتهازيٍ يتاجر بالمصطلحات لتحقيق مكاسب آنية. قلة فقط تحاول ولا تزال. هذا الانفصام الحاد بين التنظير اللغوي الفخم والواقع المرير جعل من المثقف صدىً لأزمة لا حلًّا لها. إن النخبة التي فقدت إرادتها لا يمكنها أن تمنح اللغة روحًا مُقَاوِمةً، بل تمنحها “بلاغة التبرير” وصمت العجز.
إن الحل يكمن في “مشروع ثقافي نهضوي شامل” يعيد صياغة علاقة الإنسان العربي بوجوده وحقوقه ولغته، ولصناعة بلاغة الانتصار لا بلاهة البلاغة، مشروع يتنفس عبر لغة اقتحامية لا تخشى السؤال. إذا أردنا إنتاج بلاغة الانتصار حقًّا.
هنا يتوجب علينا إدراك أن البلاغة الحقيقية هي “بلاغة الفعل”، وهي الحصن الأخير لهويتنا، هوية الناطقين بالعربية، والمسلمين الذين يتعبدون باللغة العربية. لكن علينا أن ندرك أنه عندما يتحرر العقل العربي من قيوده، ستستعيد اللغة ألقها، ليس كزينة لفظية، بل كقوة دافعة تصوغ ملامح الفكر المنتصر؛ الفكر الذي لا يكتفي بالوصف، بل يشرع في “نحت” مستقبله بمداد من إرادة وحرية بلغة متحررة مقتحمة لمواقع الجهل والتخلف.

زر الذهاب إلى الأعلى