مقالات الرأي

مع توحيد المؤسسات الليبية، هل بدأ العد التنازلي لإنهاء الانقسام؟


بقلم/ عبدالمجيد قاسم


لست متفائلًا ولا متشائمًا، لكن يحدوني الأمل في إمكانية أن تعبر ليبيا النفق الذي وضعت فيه منذ 2011م، فكل شيء له نهاية، ولا دايم غير وجه الله، فما رأيناه ونتابعه في الآونة الأخيرة يبدو أنه نوع من الحراك الواعد تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ويهدف، إن صدقت النوايا، إلى تجاوز حالة “التشظي المؤسساتي” التي استنزفت موارد الدولة وعطلت مسارها لسنوات، وجعلت المواطن في حالة ترقب وتشتت واجترار للماضي، وخوف من المستقبل.
فمع دخول الربع الثاني من عام 2026، يبدو أن الجهود الدولية والمحلية قد انتقلت من مرحلة التهدئة الهشة إلى مرحلة “الدمج الوظيفي”، وهي استراتيجية تعتمد على توحيد آليات العمل اليومي للمؤسسات الكبرى كخطوة استباقية للحل السياسي الشامل، لكن الأمر في نظري مشروط بتوافر قدر من الرغبة في الحل.
وقد تصدرت المؤسسة المالية واجهة هذا المشهد؛ من خلال الاتفاق الأخير على “الميزانية الموحدة” التي تلقاها الشارع الليبي بالارتياح، والتوحيد لم يقتصر على مجرد تنسيق بين مصرف ليبيا المركزي في طرابلس وبنغازي، بل امتد ليشمل اعتماد إطار قانوني وتنفيذي واحد للإنفاق العام، ويبدو أن هذا التطور اللافت يهدف -بالأساس- إلى تجفيف منابع الخلاف حول عدالة توزيع الثروة، وضمان تدفق المرتبات والمخصصات التنموية دون تمييز، مما يضع الطبقة السياسية أمام واقع جديد يقلص من قدرتها على استخدام المال العام كأداة في الصراع.
وعلى الصعيد العسكري والأمني، فقد اتخذت البعثة الأممية مسارًا يتسم بالواقعية عبر لجنة (5+5) واللقاءات الفنية الموسعة، والهدف الحالي ليس مجرد دمج الأفراد، بل بناء “عقيدة أمنية موحدة” تبدأ من التنسيق في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، وما شهده مطلع هذا العام من مناورات رمزية مشتركة واجتماعات قيادية في مدن كانت بالأمس خطوط تماس، يعكس رغبة المؤسسة العسكرية في النأي بنفسها عن التجاذبات الحزبية، والتحول إلى صمام أمان يحمي العملية الانتخابية المرتقبة بدلًا من أن يكون طرفًا في تعطيلها.
وفي المسار السياسي والقضائي، تدرك البعثة أن توحيد المؤسسات التنفيذية والسيادية يظل معلقًا بمدى التوافق على “سلطة تنفيذية واحدة”، لذا، تركز الجهود الحالية على معالجة الانقسام داخل الهياكل القضائية والرقابية، لضمان وجود مرجعية قانونية موحدة قادرة على الفصل في النزاعات الدستورية والانتخابية، إن بناء هذه القاعدة القانونية المتينة هو الضمانة الوحيدة لمنع انهيار أي اتفاق سياسي قادم، ولإعادة الثقة للمواطن الليبي في نزاهة مؤسساته الوطنية.
وتبرز أيضا في الواجهة اجتماعات لجنة “4 + 4” التي تتكون من ممثلين (سياسيين وأمنيين) من القوى الفاعلة في شرق وغرب ليبيا، وتعمل كـ “مطبخ فني” مصغر بعيدًا عن الجمود المؤسساتي، وتتولى اللجنة مهمة كسر الانسداد السياسي عبر هندسة توافقات مباشرة حول القوانين الانتخابية، وتغيير قيادات المؤسسات السيادية، وضمان التهدئة الميدانية، وتكمن أهميتها الحالية في كونها المسار الأكثر واقعية لتجاوز الخلافات بين مجلسي النواب والدولة، بدعم مباشر من البعثة الأممية لتهيئة الظروف للانتخابات.
ختامًا، يمكن القول: إنه، وإن كان ما نشاهده لا يزال في طور التفاهمات الفنية أو لنقُل الاختبارات العملية، لا في طور الاستقرار المؤسسي الكامل، فإن قطار توحيد المؤسسات في ليبيا قد انطلق بالفعل على سكك “التقنية والمال”، لكن وصوله إلى محطة الاستقرار النهائي يظل مرهونًا بمدى صدق النوايا السياسية وقدرة المجتمع الدولي على تحويل هذه التفاهمات الفنية إلى واقع سياسي مستدام.
فما نشاهده الآن على الساحتين السياسية والمالية هو خطوة نحو الاستقرار، وهذه الخطوة تحتاج إلى نية صادقة، ورغبة في التوافق وإيجاد الحلول للمعضلات التي جمدت المشهد السياسي الليبي لعقد ونصف العقد من الزمان، وعلى البعثة الأممية أن تعي أن أية بادرة يجب أن تراعى فيها الإرادة المحلية، والقبول الاجتماعي، وطبيعة المصالح المتشابكة التي صنعت الانقسام أصلًا، وهذه نقطة محورية، لأن أي توحيد لا يُحمى داخليًّا قد يبقى هشًّا وقابلًا للانتكاس.

زر الذهاب إلى الأعلى