في المؤتمر التأسيسي

بقلم / د. مصطفى الزائدي
بعد تمكن الناتو من إسقاط الدولة وتفكيكها، وما صاحبه من ضجيج إعلامي مكثف، توهم الكثيرون أن البديل سيكون منظومة ديمقراطية مثالية، وأن رخاءً خياليًّا سيتحقق للأفراد، وأن المواطن الليبي صار حرًّا وسيعيش كيفما يريد، لكنهم سرعان ما اصطدموا بالواقع المرير، حيث فُرض إعلان دستوري مشوه أعدته جماعة مؤدلجة، وأقره مجلس مجهول لا يُعرف إلى الآن من كوّنه ولا من هم كل أعضائه. كون حكومة مؤدلجة من عناصر مرتبطة بالدول المتدخلة هدفت إلى وضع يدها على مفاصل الدولة وأموالها بالدرجة الأولى، وتشكلت في كل المدن والقرى ميليشيات مسلحة أيديولوجية وجهوية من مجرمين، عاثت في الأرض فسادًا، وأنشأت ما يشبه محاكم التفتيش، نكّلت بعدد كبير من الليبيين ونهبت أموالهم وممتلكاتهم، وجرت انتخابات لمؤتمر وطني في ظل إقصاء لأغلبية الشعب الليبي، وجاء ولي عهد قطر وقتها وفرض حكومة من تيار سياسي معين، هي استمرار للحكومة التي عينها ما سمي المجلس الانتقالي.
لكن الليبيين رفضوا هذا الوضع وتمردوا عليهم، فقابلهم الميليشياويون الإرهابيون بالرصاص الحي، فصارت مذابح حقيقية للمدنيين، ليست كتلك المختلقة ضد النظام في 2011. ففي يوم السبت الأسود سبتمبر 2012 في مدينة بنغازي أطلق الميليشياويون النار على مظاهرة سلمية فحدثت مذبحة وحشية، وفي نوفمبر 2013 أثناء مظاهرة في غرغور بطرابلس جرت مذبحة بشعة أخرى، وثالثة في براك الشاطئ، واجتياح لبني وليد والعوينية وورشفانة، وتهجير كلي لتاورغاء!
أيقنت الدول المتدخلة بعدم إمكانية استمرار الحال على ما هو عليه، فوافقت مضطرة على إجراء انتخابات في 2014، أسقط فيها الشعب الليبي التيارات المؤدلجة والشخصيات العميلة، وتشكل مجلس نواب من مواطنين ليبيين عاديين، ونجح ضباط القوات المسلحة في إعادة بناء وحدات عسكرية، وأعلنوا معركة الكرامة ضد الإرهاب، وأمنوا مجلس النواب في طبرق!
شعرت الدول المتدخلة أن زمام الأمور يكاد يفلت من أيديها، فدعت إلى حوار لتشكيل حكومة موحدة، استمر عامًا كاملًا، تُوّج بحوار الصخيرات الفاشل الذي لا يزال يحكم الحالة الليبية.
كان اتفاق الصخيرات قد نص على إجراء انتخابات رئاسية في غضون عام، لكن ذلك لم يتحقق، فأطلقت بعثة هيئة الأمم المتحدة سلسلة حوارات جديدة.
قدمنا إلى بعثة هيئة الأمم المتحدة منذ 2017 مشروع المؤتمر التأسيسي كحل جدي للأزمة الليبية بعد فشل مخطط الصخيرات في إعادة توحيد مؤسسات الدولة، والقضاء على الفوضى، والمصالحة الوطنية، ونزع سلاح المجموعات المسلحة!
وفي كل اللقاءات التي نظمتها البعثة بقيادة د. غسان سلامة، والتي شاركت بها الحركة الوطنية الشعبية، حاولنا الدفع بهذا المشروع، إلا أن المتصدرين للمشهد، والدول التي تدير ليبيا خلف ستار ما سُمّي بالمجتمع الدولي، لم تكن راغبة في البحث عن حلول جدية!
ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، تتوالى مبادرات طرح فكرة المؤتمر التأسيسي دون فهم لطبيعة المشروع، ما أدى إلى تحويله إلى شكل عبثي بدون محتوى، واستخدامه كوسيلة للبروز السياسي والاجتماعي، وتحول في كثير منالأحيان إلى مهرجانات ومؤتمرات خطابية، أنتجت بيانات إنشائية جوفاء!
فكرة المؤتمر التأسيسي التي نتحدث عنها هي البديل الثالث لمحاولات توحيد الدولة وإدارتها بالحرب، ولعدم إمكانية إجراء انتخابات حقيقية في ظل الانقسام السياسي، والاستقطاب الأيديولوجي، والمال الفاسد، وانتشار السلاح. وهو بديل يتطلب لتنفيذه توافق الدول الوصية على ليبيا، وقبول كل الأطراف الليبية المتصارعة، ولا يقوم على التفاوض من أجل تقاسم السلطة بين الأطراف والمحاصصة بين الجهات والمدن، بل يهدف إلى تغيير الأمر الواقع بمناقشة الأزمة الليبية في جوهرها وليس ظواهرها، ووضع أسس متفق عليها لبناء ليبيا الجديدة على أسس من الديمقراطية والعدالة والمساواة.
ورغم قناعتنا بأن تكوين المؤتمر، وجدول أعماله، وآلية تنفيذ مخرجاته ينبغي أن تكون محل توافق، إلا أننا اقترحنا أن يتكون المؤتمر من مجموعتين: الأولى تضم التيارات الرئيسية في ليبيا – فبراير، الخضر، الكرامة – والسلطات السياسية في المشهد الآن، والقوات المسلحة، والتشكيلات المسلحة. أما المجموعة الثانية فسميناها الطرف المحايد وأصحاب المصلحة في بناء الدولة، والتي ستعمل على تحقيق التوافق وفرضه، وتتكون من الأكاديميين، والقضاء، والنقابيين، والتكوينات الاجتماعية، ورأى البعض إضافة مجموعة ثالثة تتكون من منتخبين، إما عن الدوائر الانتخابية أو المجالس البلدية، وهذه المجموعة ستكون داعمة للطرف المحايد.
كما اقترحنا أن يفصل المؤتمر في ثلاثة أمور:
الأول: تشكيل سلطة تسيير أعمال محايدة من التكنوقراط، تتحدد اختصاصاتها بدقة لكي لا تكون محل جدل.
الثاني: مناقشة موضوع الأزمة، وتحديد الثوابت الوطنية، وشكل وهوية الدولة الجديدة، ونظام الحكم بها، وبحث اللامركزية، والنظام الاقتصادي، وآليات تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، والبت في آليات وضوابط المصالحة المجتمعية، ووضع الدستور والاستفتاء عليه.
الثالث: الإشراف على بناء مؤسسات الدولة وفق مخرجات المؤتمر.
