مقالات الرأي

العزل السياسي في ليبيا.. حين يتحول الإقصاء إلى صكّ براءة


بقلم/ محمود امجبر


لم يكن قانون العزل السياسي الذي فُرض عقب أحداث فبراير 2011 مجرد إجراء تنظيمي لإعادة ترتيب المشهد العام، بل كان – في جوهره – قرارًا أيديولوجيًّا حادًّا، صيغ بروح الانتقام أكثر مما صيغ بعقل الدولة. واليوم، وبعد سنوات من الفوضى والانقسام، يحق لنا أن نعيد طرح السؤال بصراحة: من الذي خدمه هذا القانون فعليًّا؟
في مفارقة يصعب تجاهلها، يبدو أن أكبر المستفيدين من هذا القرار هم أنفسهم الذين استهدفهم: أنصار النظام الجماهيري. فبدل أن يُقصيهم من التاريخ، أعفاهم – عمليًّا – من التورط في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ ليبيا الحديث، مرحلة عجزت فيها النخب الجديدة عن بناء دولة، أو حتى الحفاظ على الحد الأدنى من تماسكها.
لقد دخلت البلاد في دوامة من الفوضى السياسية، والتشظي الاجتماعي، والانهيار الاقتصادي، بينما كانت القوى التي تصدرت المشهد تتنازع الشرعية، وتفتح الأبواب واسعًا أمام التدخلات الأجنبية، حتى بات القرار الوطني مرتهنًا، والثروات السيادية – من النفط والغاز إلى المؤسسات المالية وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي – عرضة للتجاذبات والتقاسم.
في هذا السياق، لم يعد أنصار النظام السابق بحاجة إلى الدفاع المطول عن أنفسهم، بل يكفيهم الإشارة إلى الواقع القائم. فالفشل الذي يعيشه المشهد اليوم أصبح، في نظرهم، أكبر مرافعة سياسية لصالحهم، وأبلغ رد على كل الاتهامات التي وُجهت إليهم. بل إنهم باتوا يتحدثون من موقع “المُعفى من المسؤولية”، لا من موقع المتهم.
الأخطر من ذلك أن قانون العزل السياسي لم يُقصِ مجرد أشخاص، بل أقصى شريحة واسعة من الخبرات الإدارية والسياسية، وقطع الطريق أمام أي إمكانية لانتقال سلس أو تراكمي للسلطة. فالدول لا تُبنى بالإقصاء، ولا تُدار بمنطق تصفية الحسابات، بل بالتوازن، والاستيعاب، والقدرة على إدارة الاختلاف.
وما حدث في ليبيا هو العكس تمامًا: تم استبدال منظومة كاملة دون بناء بديل حقيقي، فكانت النتيجة فراغًا ملأته الفوضى، وصراعات النفوذ، وتضارب المصالح. وهنا تحديدًا، يتحول العزل السياسي من “حل” إلى جزء من المشكلة، وربما أحد جذورها العميقة.
إن إعادة قراءة هذا القانون اليوم لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية. لأن استمرار الذهنية التي أنتجته يعني ببساطة إعادة إنتاج الفشل ذاته. فالإقصاء لا يبني دولة، بل يؤجل الانفجار. وتهميش الخصوم لا ينهيهم، بل يمنحهم فرصة للعودة من بوابة الأخطاء القاتلة لخصومهم.
لهذا، فإن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها – مهما كانت قاسية – هي أن العزل السياسي لم يكن خطوة نحو بناء ليبيا الجديدة، بل كان أحد أبرز أسباب تعثرها. والأسوأ من ذلك، أنه منح خصومه هدية مجانية: صكّ براءة أمام التاريخ، وفرصة للعودة عبر بوابة الفشل الجماعي.
وفي السياسة، لا توجد فراغات دائمة.. بل أخطاء تنتظر من يستثمرها.

زر الذهاب إلى الأعلى