العرب يدخلون عصر الخرائط

بقلم/ محمد بوخروبة
بينما كانت الصواريخ تشق سماء الخليج، كانت خرائط أخرى ترسم بصمت على امتداد العالم العربي، لم تكن خرائط عسكرية هذه المرة، بل خرائط نفوذ اقتصادي وممرات طاقة وموانئ واستثمارات وتحالفات جديدة تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة من الخليج حتى الأطلسي.
فالشرق الأوسط الذي عرفه العرب لعقود يتغير اليوم على نحو عميق، زمن الشعارات الكبرى يتراجع لتحل مكانه لغة المصالح والأمن الاقتصادي وإدارة النفوذ، لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل بالقدرة على التحكم في سلاسل الإمداد والممرات البحرية وشبكات الطاقة والأسواق العابرة للحدود.
الحرب الأخيرة في الخليج لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بل كشفت هشاشة النظام الإقليمي القديم بأكمله، فقد بدا واضحًا أن المظلات الدولية التقليدية لم تعد تمنح الحماية الكاملة، وأن العواصم العربية بدأت تبحث عن صيغ جديدة للأمن تتجاوز التحالفات العسكرية المباشرة نحو بناء شبكات نفوذ اقتصادية وجيوسياسية أوسع وأكثر استدامة..
ومن هنا تحديدًا بدأت دول الخليج تنظر إلى المغرب العربي بعين مختلفة، لم يعد شمال أفريقيا مجرد فضاء عربي بعيد تحكمه اعتبارات التضامن السياسي التقليدي، بل تحول إلى عمق استراتيجي بالغ الأهمية في حسابات الأمن والطاقة والتجارة، فالموانئ الأطلسية والامتداد الأفريقي والأسواق الواعدة والموقع الجغرافي الرابط بين أوروبا وأفريقيا والمتوسط كلها عوامل جعلت المغرب الكبير جزءًا من المعادلة الخليجية الجديدة.
لقد دخلت العلاقات الخليجية المغاربية مرحلة تحالف المصالح المرن، فالسعودية والإمارات وقطر لم تعد تتحرك في المنطقة بدافع النفوذ السياسي وحده، بل انطلاقًا من رؤية اقتصادية واسعة ترتبط بتنويع اقتصاداتها وتأمين الغذاء والطاقة وبناء ممرات لوجستية نحو أفريقيا والمحيط الأطلسي.
المغرب كان النموذج الأكثر وضوحًا في هذا التحول، فقد نجح في تقديم نفسه بوصفه منصة استراتيجية تربط الخليج بأفريقيا الغربية، مستفيدًا من استقراره السياسي وموقعه الأطلسي، لذلك تدفقت الاستثمارات الخليجية إلى مشاريع الموانئ والطاقة والسياحة والبنية التحتية، ليصبح المغرب بوابة اقتصادية أكثر منه مجرد حليف سياسي.
أما الجزائر، فرغم حذرها التقليدي تجاه أي اختراق خارجي، فقد فتحت الباب أمام شراكات اقتصادية متزايدة مع الخليج، خصوصًا في قطاعَي الطاقة والصناعة، فالتحولات العالمية في أسواق الطاقة دفعت الجزائر إلى إدراك أن الشراكات الاقتصادية الجديدة أصبحت ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار سياسي.
وفي تونس، فرضت الأزمة الاقتصادية واقعًا مختلفًا جعل الدعم الخليجي عنصرًا أساسيًّا في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي، لكن تونس بحساسيتها السياسية وتوازناتها الداخلية الدقيقة لا تزال تحاول الحفاظ على مسافة آمنة من الاستقطابات الإقليمية الحادة. غير أنَّ ليبيا تبقى العقدة الأكثر تعقيدًا في هذه الجغرافيا الجديدة، فهي ليست فقط دولة نفطية غنية، بل بوابة استراتيجية تربط المتوسط بأفريقيا وتفتح المجال العربي على الساحل والصحراء والعمق الأفريقي، ولهذا تحولت ليبيا خلال السنوات الماضية إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي كثيف، عكس حجم الرهانات المرتبطة بموقعها وثرواتها.
لكن المقاربة الخليجية تجاه ليبيا بدأت تتغير تدريجيًّا، فبعد مرحلة الصراع المباشر على النفوذ، يتجه الاهتمام اليوم نحو الاستثمار وإعادة الإعمار والطاقة والموانئ، فالعواصم الخليجية تدرك أن استقرار ليبيا لم يعد شأنًا محليًّا فحسب، بل جزءًا من معادلة الأمن العربي الأوسع، خصوصًا مع تصاعد التحديات في البحر المتوسط ومنطقة الساحل الأفريقي.
وفي أقصى الغرب العربي برزت موريتانيا كلاعبٍ هادئ، لكنه مهم في الحسابات الخليجية الجديدة، فموقعها بين الساحل والمحيط الأطلسي منحها أهمية متزايدة في ملفات الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والتجارة العابرة للصحراء، ما جعلها نقطة جذب للاستثمارات الخليجية المتنامية. ومع ذلك فإنَّ هذه التحولات لا تخلو من المخاطر، فالرأسمال الخليجي مهما بلغ حجمه لا يستطيع وحده معالجة الأزمات البنيوية العميقة التي تعانيها دول المغرب العربي، من بطالة وفساد وضعف إنتاجية واختلالات اقتصادية مزمنة، كما أن تحويل المنطقة إلى ساحة تنافس نفوذ قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات بدل بناء الاستقرار. وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن العالم العربي الذي عجز طويلًا عن تحقيق وحدة سياسية أو مشروع قومي جامع، يجد نفسه اليوم يقترب من شكل جديد من الوحدة الصامتة، وحدة لا تصنعها الخطب والشعارات، بل تصنعها الموانئ والطاقة والاستثمارات والمصالح المشتركة. بعد عقودٍ من صراع الأيديولوجيات يبدو أن العرب يدخلون أخيرًا عصر الجغرافيا، حيث ترسم الخرائط بالاقتصاد أكثر مما ترسم بالحروب.
