مقالات الرأي

شهوة النجاة المتأخرة


بقلم / عفاف الفرجاني


كتبت هذا المقال من باب الوجع الإنساني، لأن للدم حرمة وللموت هيبة مهما اشتدت الخلافات، فبعد أكثر من مئة يوم على استشهاد سيف الإسلام معمر القذافي، لم يكن الليبيون ينتظرون من العجمي العتيري خطبة مرتبكة حول جريمة اغتيال ضيفه، ولا استعراضًا لغويًّا متوترًا، ولا خطابًا مشبعًا بروح الميليشيات التي دمرت البلاد وأفسدت معنى السياسة والرجولة والوفاء. كان المنتظر من الرجل، بحكم موقعه وقربه من سيف الإسلام، أن يخرج أمام الناس بشجاعة أخلاقية، وأن يوضح الحقائق الأساسية التي لا تزال غامضة، أو على الأقل أن يقدم اعتذارًا صريحًا لليبيين، ولعائلة القذافي، ولتاريخ قبيلته التي ارتبط اسمها بحماية الرجل ثم سقط داخلها ضحية غدر مكتمل الأركان. لكن ما حدث كان العكس تمامًا.
خرج العجمي بخطاب مستفز، بارد، خال من أي حس إنساني أو مسؤولية أخلاقية، وكأن القضية لا تتعلق باغتيال شخصية سياسية كانت تمثل رمزًا لشريحة واسعة من الليبيين، بل بحادث عابر لا يستحق سوى التبرير والالتفاف والتشتيت. والأسوأ من ذلك أنه تحدث عن سيف الإسلام بطريقة صادمة، وكأنه مجرد كائن عابر (يموت مثل أي إنسان أو حشرة أو حيوان وأن لكل أجل كتابًا) في محاولة بائسة لتبسيط الجريمة وتسطيحها دينيًّا وأخلاقيًّا. سيف الإسلام لم يمت بأجله الطبيعي كما حاول العجمي تصوير الأمر. الرجل لم يكن مريضًا على فراش، ولم يرحل بهدوء تحت سقف بيته. الرجل تم استهدافه وغدره وقطع حياته عمدًا. هناك فرق شاسع بين الموت كقدر إلهي طبيعي، وبين جريمة يتدخل فيها البشر لإنهاء حياة إنسان قبل أن يبلغ أجله الذي كتبه الله له بعيدًا عن رصاص الغدر والخيانة. استخدام العبارات الدينية بهذه الطريقة ليس حكمة، بل محاولة باردة لتخفيف وقع الجريمة والتنصل من مسؤولية من شارك أو صمت أو فشل في الحماية.
ثم جاءت الإهانة الأكبر، حين تحول الخطاب إلى إساءة مباشرة لأنصار سيف الإسلام، عبر لغة متعالية ومهينة اختزلت الناس وكأنهم مجرد قطعان أو كائنات فاقدة للوعي. وهذا يكشف أزمة أخلاقية حقيقية، لأن من يتحدث عن المصالحة الوطنية لا يمكن أن يحتقر شريحة واسعة من الليبيين فقط لأنهم ما زالوا أوفياء لقناعاتهم السياسية أو لتاريخهم أو لرمز يرونه مظلومًا.
العجمي كان يملك فرصة للخروج بموقف رجل دولة، أو على الأقل رجل يتحمل جزءًا من المسؤولية الأدبية، لكنه اختار لغة الشوارع والاستفزاز والاستعراض. اختار أن يهرب إلى الأمام، وأن يفتح جراحًا قديمة، وأن يستحضر مشهد استشهاد القائد معمر القذافي بطريقة خادشة ومسيئة لمشاعر ملايين الليبيين، فقط ليصرف الأنظار عن السؤال الحقيقي.
كيف قُتل الرجل داخل دائرة يفترض أنها مسؤولة عن حمايته؟
المشكلة اليوم لم تعد فقط في الجريمة، بل في الطريقة التي يحاول بها البعض إعادة صياغتها بوقاحة، وكأن ذاكرة الليبيين قصيرة، وكأن الدم الليبي يمكن أن يتحول إلى مادة للخطابات المرتجلة والمزايدات القبلية.
الحقيقة الواضحة أن ما قيل لم يغلق الملف، بل فتحه على مصراعيه. لأن التناقضات الكثيرة، واللغة العدائية، ومحاولات تمييع الجريمة، كلها تؤكد أن هناك ما زال خفيًّا، وأن الحقيقة أكبر بكثير من الرواية المرتبكة التي حاول البعض تمريرها على الناس.
والأكثر إثارة للاستغراب، أن العجمي العتيري يحاول اليوم التحدث وكأنه أحد الرموز التاريخية المحسوبة على أنصار النظام الجماهيري، أو كأنه كان جزءًا أصيلًا من تلك الدائرة الوطنية، بينما الحقيقة التي يعرفها الجميع أنه خرج من رحم فبراير، وكان في لحظة من اللحظات يلاحق سيف الإسلام باعتباره (مطلوبًا) في سياق مشروع فبراير الذي قاد البلاد إلى الفوضى والانقسام والتبعية، بل كان أحد أبنائها، هذا الشرف منحه له الشهيد سيف الإسلام ولم يصنعه تاريخه السياسي والأخلاقي، حين فتح له الباب وتعامل معه بثقة رغم كل ما حدث بعد 2011.

زر الذهاب إلى الأعلى