مقالات الرأي

بين حلم الأمس ورهان الغد


بقلم/ المهدي الفهري


لقد عاش جيل الخمسينيات والستينيات وحتى السبعينيات الصراع بين الأيديولوجيات المختلفة، وكان متشبعا بالأفكار الوطنية والقومية، ويتدفق بالحماس والحيوية، ويحلم بالوحدة، ويتوق الى صنع مستقبل أكثر أملًا وإشراقًا يجمع بين شتات الأمة ويسعى إلى تخليصها من التبعية البغيضة التي تركها المستعمر وما زالت آثارها السيئة سارية حتى الآن، وبقيت تلك الأفكار حاضرة في وجدان الكثيرين منا، وتحتل مساحة واسعة من تفكيرنا واهتماماتنا وفي واقعنا، رغم ما حصل من تغير لدى البعض، وهو تغير في الصورة وليس في المسار، إذ اختلف الفاعلون، ولكن الأفعال ظلت متواصلة ومستمرة.
أما جيل اليوم فحلمه مختلف، إذ يطمح إلى أن يتولى أمره بنفسه، وأن يصنع قراره بيده، ولا يكتفي بالمشاركة، بل يحاول أن يكون أكثر التصاقًا بالواقع، وأن يثبت حضوره في عالم المعرفة والتميز، وأن يحوّل الظواهر الصوتية السائدة إلى منجزات ملموسة عبر استنباط قوانين ونظم ومعايير جديدة تحمل مضامين إبداعية واجتماعية وإنسانية تنسجم مع عصر الذكاء والفطنة وتتفق مع معطيات الزمان والمكان، وبذلك يكون هذا الجيل هو الرهان الحقيقي للمستقبل القادر على فرض واقع جديد يناسبه، ويلبي كل آماله وطموحاته، ويستجيب لخدمة قيمه وقضاياه المتداخلة والمتشعبة، واضعًا حدًّا وحلًّا لمشكلاته المتكررة والمتراكمة والمُرحَّلة من حقبة إلى أخرى، والتي تتوارثها الأجيال من جيل إلى جيل، ومن طور إلى آخر، فالتاريخ لا يعيد نفسه، ولكن فصوله قد تتشابه مع كل مرحلة، ومن هنا يأتي دور الجيل الجديد في أن يكون واعيًا أمينًا قويًّا ومدركًا لواجباته الوطنية والقومية والأخلاقية والإنسانية، وأن يكون متسلحًا بوحدة الشعور والسلوك ومتمسكًا بوحدة الهدف والمصير، وحريصًا على العلم والمعرفة جيلًا مُولعًا بالإبداع ومُلمًّا بأدواته وقادرًا على مواجهة التحديات القادمة بثقة وثبات، خاصة في ظل اتساع دائرة المعارف واختلاقها وتغير آليات الوعي وتنوعها.
ما أحوجنا اليوم إلى شباب ينحاز إلى ثقافة التغيير المدروس والإيجابي والمطلوب ورافض لثقافة التخلف والهزيمة ومؤمن بثقافة التقدم والانتصار، وأن لا يكتفي بالقدرة على الدفاع، بل ربما بالمناورة على الهجوم، فالتغيير المنشود لا يجب أن يكون ترقيعيًّا أو تلفيقًا، بل يجب أن يتجه نحو وعي جديد، وجدير بكسب رهانات التغيير وتحديات المستقبل والتحول من الفكر إلى الممارسة ومن الشعارات إلى الفعل، وفق رؤية مستقبلية واضحة، وأفق يمتزج فيه الإرث مع التجديد، ويلتقي فيه الماضي بالحاضر، ويتجسد فيه حلم الأمس الذي طال انتظاره مع رهان الغد الموعود والمشرق والمتطلع إلى فضاء يليق بعصره وزمانه وينشده ويحلم به الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى