من مضيق هرمز إلى وول ستريتكيف أعادت الحرب على إيران تسعير المخاطر في الأسواق الأمريكية؟

عبد الفتاح الشريف
لم تعد تداعيات العدوان الصهيوني – الأمريكي على إيران محصورة في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط أو في حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز. فالتوترات العسكرية تحولت سريعًا إلى صدمة مالية انعكست مباشرة على وول ستريت، حيث أعادت الأسواق تسعير المخاطر الجيوسياسية والنقدية في آن واحد.
مع تصاعد المواجهة وتعطل جزء من حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمرُّ عبره نحو خُمس تجارة النفط البحرية عالميًّا قفزت أسعار الطاقة وارتفعت علاوات المخاطر في الأسواق المالية. خلال الأسابيع الأولى من التصعيد، شهدت المؤشرات الأمريكية موجة تراجع ملحوظة، حيث فقد مؤشر “إس آند بي 500” ما يقارب 8% من قيمته في ذروة القلق أي أن الخسائر السوقية تجاوزت مبلغ 4 تريليونات دولار في 27 بينما تكبد مؤشر “ناسداك” الأكثر حساسية لأسعار الفائدة خسائر قاربت 10% قبل أن يقلص جزءًا منها لاحقًا.
الضغوط لم تكن نفسية فحسب. فقد ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية بنحو نصف نقطة مئوية مع زيادة الطلب على العائد لتعويض مخاطر عدم اليقين وارتفاع التضخم المحتمل بفعل أسعار النفط. هذا الارتفاع في العوائد انعكس فورًا على تقييمات الأسهم، لأن الأسواق تعتمد على خصم الأرباح المستقبلية بمعدل يرتبط بسعر الفائدة. وكلما ارتفع هذا المعدل، انخفضت القيمة الحالية للأسهم، خصوصًا أسهم النمو والتكنولوجيا.
التأثير كان أكثر وضوحًا في الشركات ذات التقييمات المرتفعة والاعتماد الكبير على التمويل الرخيص. شركات التكنولوجيا الكبرى، رغم متانة ميزانياتها، تعرضت لضغوط بيعية قوية نتيجة حساسية نماذجها للتغير في معدلات الخصم. في المقابل، أظهرت أسهم الطاقة أداءً أفضل نسبيًّا، مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط، بينما تضررت قطاعات العقارات والصناعات الثقيلة بسبب ارتفاع تكلفة الاقتراض.
لكن الخسارة الأهم لم تكن فقط في تراجع المؤشرات، بل في تغير البيئة التمويلية للشركات الأمريكية. فالحرب أعادت إحياء المخاوف بشأن استدامة العجز الأمريكي في حال تراجعت التدفقات الأجنبية إلى سندات الخزانة. ومع عجز سنوي يتجاوز التريليون دولار ودين عام ضخم، فإن أي ارتفاع دائم في تكلفة الاقتراض يترجم إلى مليارات إضافية في خدمة الدين الحكومي وهو ما يضغط بدوره على توقعات النمو الاقتصادي والإنفاق العام.
وفي هذا السياق تكرر الحديث عن تسعير جزء من تجارة النفط بعملات غير الدولار، وعلى رأسها اليوان الصيني. هذا التطور إن توسع لا يهدد الدولار فورًا، لكنه يضيف طبقة جديدة من القلق للأسواق الأمريكية. فالدولار لا يستمد قوته فقط من الاقتصاد الأمريكي، بل من موقعه المركزي في تجارة الطاقة والاحتياطيات العالمية. أي تآكل تدريجي في هذا الدور قد يعني ارتفاعًا هيكليًّا في عوائد السندات الأمريكية، ومن ثم إعادة تسعير مستمرة للأصول المالية.
الأسواق بدأت بالفعل في احتساب هذا الاحتمال ضمنيًّا. فالتقلبات ارتفعت، وعادت التدفقات إلى أدوات التحوط مثل الذهب، بينما اتجه المستثمرون إلى تقليص مراكزهم في القطاعات الأكثر حساسية للدورات الاقتصادية. في الوقت نفسه، استفادت بعض الشركات متعددة الجنسيات من ضعف نسبي في الدولار، إذ تحولت إيراداتها الخارجية إلى قيمة أعلى عند احتسابها بالعملة الأمريكية، ما خفف جزئيًّا من حدة التراجع في أرباحها.
ورغم أن وول ستريت اعتادت على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، فإن ما يميز هذه الأزمة هو تزامن العامل العسكري مع احتمال تحول نقدي عالمي. فإذا كان السيناريو التقليدي للحروب في الشرق الأوسط يعني ارتفاع النفط لفترة مؤقتة ثم عودة الاستقرار، فإن السيناريو الحالي يفتح الباب أمام إعادة تشكيل تدريجية للنظام المالي الدولي.
المؤشرات حتى الآن لا تشير إلى انهيار مالي شامل لأن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أعمق سوق رأسمال في العالم، والدولار لا يزال العملة المهيمنة في الاحتياطيات والمعاملات الدولية. لكن الخسائر التي تكبدتها وول ستريت منذ اندلاع الحرب تعكس حقيقة واضحة وهي أن الأسواق باتت أكثر حساسية لأي تحول في توازنات القوة النقدية العالمية.
من مضيق هرمز إلى وول ستريت، تتشابك السياسة بالاقتصاد في معادلة واحدة كلما اتسع نطاق الصراع، ارتفعت كلفة التمويل، وكلما ارتفعت الكلفة، أعادت الأسواق تقييم مستقبل النمو الأمريكي. وفي عالم يتجه تدريجيًّا نحو تعددية نقدية، قد لا تكون الخسارة الأكبر في تراجع المؤشرات المؤقت، بل في نهاية عصر التمويل الرخيص الذي شكل العمود الفقري لصعود الأسواق الأمريكية خلال العقدين الماضيين.
