من الدعاء إلى العجز أزمة العقل في مواجهة التحديات

بقلم/ فرج بوخروبة:
في خضم الأحداث المتسارعة التي تعيشها المنطقة، يتكرر مشهد يكاد يكون ثابتًا: منصات تضج بالدعاء، وخطابات مشحونة بالعاطفة، وجماهير تعلن مواقفها الحادة من مختلف الأطراف. غير أن هذا الزخم يخفي خلفه خللًا أعمق: ميلًا متزايدًا الى اختزال الصراع في صورة مبسطة، تسقط الفوارق، وتضع أطرافا متباينة في خانة واحدة، وكأنها جميعا عدو واحد بلا تمييز.
ليس المستغرب في هذا المشهد مجرد الاكتفاء بالدعاء، بل هذا الخلط الذي يساوي بين قوى تختلف جذريًّا في مواقعها وأدوارها. فهناك فرق واضح بين إسرائيل بوصفها قوة تحتل الأرض وتمارس القتل المباشر، وبين الولايات المتحدة التي توفر الغطاء السياسي والعسكري لهذا الاحتلال، وبين إيران التي -رغم ما يؤخذ عليها سياسيًّا أو عقائديًّا- اتخذت موقعًا معلنًا في دعم الفصائل الفلسطينية وقدمت أشكالًا من الدعم العملي. تجاهل هذه الفروق لا يعكس موقفًا أخلاقيًّا صارمًا، بل يكشف خللًا في الوعي، حيث يستبدل التحليل بالتبسيط، والفهم بالشعار.
هذا الخلط لا يقتصر على مستوى التصنيف، بل ينعكس مباشرة على طريقة التفاعل مع القضية. فعندما يختزل المشهد بهذه الطريقة، يصبح من السهل إعلان العداء للجميع، ومن السهل في الوقت نفسه الاكتفاء بالكلمات. وهنا يتحول الدعاء من كونه سندًا روحيًّا إلى بديل عن الفعل، ويغدو الخطاب العاطفي وسيلة للتنفيس لا أداة للتغيير.
إن وضع أطراف متباينة في سلة واحدة لا يضر فقط بدقة الفهم، بل يفرغ الموقف من مضمونه العملي. فالصراع لا يدار بالشعارات العامة، بل بفهم دقيق لطبيعة الأدوار وتحديد واضح لمواقع الخصوم والحلفاء. ومن دون هذا التمييز، يفقد الخطاب قدرته على التأثير، ويتحول الى ضجيج لا يغير في موازين القوى شيئًا.
حين نستحضر نماذج من التاريخ، كمرحلة صلاح الدين الأيوبي، فإننا لا نفعل ذلك من باب الاستدعاء العاطفي، بل لفهم سنن الفعل. لم يكن التحرير يومًا نتيجة خطاب عام يساوي بين الجميع، بل ثمرة وعي دقيق بطبيعة الصراع، وتحديد واضح للعدو، وبناء تحالفات على أساس هذا الفهم. كان الدعاء حاضرًا، نعم، لكنه لم يكن بديلًا عن التنظيم ولا عن المواجهة.
في المقابل، يعكس الخطاب السائد اليوم مفارقة لافتة: حدة في اللغة، وارتباكًا في الرؤية. ترفع شعارات كبرى، لكن دون وضوح في تحديد المواقع، ودون تمييز بين من يحتل ومن يدعم ومن يختلف في السياق. هذا الارتباك هو ما يفتح الباب أمام التعميم، ويجعل من السهل تسوية الجميع في خطاب واحد، حتى وإن كان الواقع أكثر تعقيدًا.
ليس المقصود هنا تبرئة أي طرف أو تقديمه بوصفه نموذجيًّا مثاليًّا، بل الدعوة إلى إعادة الاعتبار للتحليل كشرط للفعل. فالعالم لا يفهم بمنطق الانطباعات، بل بقراءة دقيقة للتوازنات والمصالح. ومن دون هذا الفهم، يصبح الخطاب أسير العاطفة، ويعجز عن إنتاج موقف حقيقي.
الأخطر من ذلك أن هذا التبسيط يمنح شعورًا زائفًا بالوضوح. فحين تختزل الصورة، يشعر الفرد بأنه فهم كل شيء، وأنه قادر على اتخاذ موقف حاسم، بينما هو في الحقيقة يتعامل مع نسخة مشوهة من الواقع. وهنا يصبح الدعاء والخطاب العاطفي تعويضًا عن هذا النقص، لا تعبيرًا عن وعي حقيقي.
إن الأزمة، في جوهرها، ليست في الدعاء، بل في ما يسبقه من فهم. فالدعاء الذي ينبني على وعي دقيق يمكن أن يكون قوة دافعة، أما الدعاء الذي يقوم على خلط واضطراب، فإنه يتحول إلى امتداد لهذا الخلل. لذلك، فإن إعادة ترتيب الأولويات تبدأ من تصحيح الفهم، لا من مضاعفة الخطاب.
التمييز بين الأدوار، وفهم طبيعة الصراع، وتحديد مواقع الفعل هذه هي الخطوة الأولى نحو أي موقف جاد. فالصراع لا يخاض بالشعارات العامة، ولا بإعلان العداء الشامل، بل ببناء رؤية واضحة تمكن من تحويل الموقف إلى فعل.
في النهاية، لا يمكن لقضية عادلة أن تخدم بوعي مشوش، ولا لخطاب يساوي بين المختلفين أن ينتج أثرًا حقيقيًّا. إن وضع الجميع في خانة واحدة قد يبدو موقفًا حاسمًا، لكنه في الحقيقة تعبير عن عجز عن الفهم. أما الفعل الحقيقي، فيبدأ من القدرة على التمييز.
أما الاستمرار في هذا الخلط، والاكتفاء بالشعارات، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، بصورة أكثر حدة في الخطاب، وأخف أثرًا في الواقع.
