ليبيا بين الانهيار والمسؤولية الوطنية

ناصر سعيد
تعيش ليبيا اليوم واحدة من أكثر مراحلها صعوبة وتعقيدًا منذ عقود، مرحلة يتداخل فيها الانهيار الاقتصادي مع الانقسام السياسي، وتختلط فيها معاناة الناس اليومية بالصراع على السلطة والنفوذ، ولم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي بين أطراف متنافسة، بل تحولت إلى واقع اجتماعي قاسٍ ينعكس في حياة المواطنين، وفي قدرتهم على تأمين أبسط مقومات العيش الكريم.
فالمشهد العام في البلاد يكشف عن تراجع كبير في الخدمات الأساسية، وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وانتشار متزايد للفقر والجوع، وهي ظواهر لم يكن المجتمع الليبي يعرفها بهذا الشكل من قبل، بل إن المفارقة المؤلمة أن الشعب الذي كان يوصف دائمًا بعزته وكرامته بات اليوم يتلقى المساعدات العلنية من بعض الميسورين الذين يوزعون الدقيق والزيت والتمور على المحتاجين، وهي صورة تختصر حجم التحول الذي أصاب المجتمع خلال هذه السنوات.
المواطن الليبي اليوم لا يبحث عن جدل سياسي بقدر ما يبحث عن دولة قادرة على توفير الأمن والخدمات والعدالة، ومع ذلك، ما زالت الساحة السياسية تعيش حالة من التنافس، بل إن بعض الأطراف بات يتباهى علنًا بعلاقاته الخارجية، وكأن الشرعية السياسية تُستمد من دعم هذه الدولة أو تلك.
لقد أصبح من المألوف أن نسمع تصريحات تشير إلى دعم أمريكي أو أوروبي أو إقليمي لهذا الطرف أو ذاك، وهذا الواقع يعكس درجة مقلقة من الارتهان للخارج، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى استقلال القرار الوطني، فالدولة التي يُفترض أن تبنى على إرادة شعبها لا يمكن أن تستقرَّ إذا ظلت رهينة حسابات القوى الخارجية.
وفي مقابل هذا المشهد السياسي المربك، يظل المجتمع الليبي قادرًا على إظهار قدر كبير من الوعي والصبر، فالشعب الليبي، بحكم تجربته التاريخية وتركيبته الاجتماعية، يمتلك من المقومات ما يسمح له بتجاوز الأزمات، غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في النخب التي تدير المشهد، سواء في المؤسسات السياسية أم في بعض التشكيلات المسلحة أو حتى في بعض الأوساط الثقافية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة وطنية صادقة، مراجعة تبدأ بسؤال بسيط، لكنه عميق: إلى أين تتجه ليبيا؟ هل تسير نحو مزيد من الانهيار والفوضى وربما التقسيم، أم ما زال بالإمكان تصحيح المسار قبل فوات الأوان؟
إن المسؤولية في هذا السياق تقع على مختلف فئات المجتمع، من الأكاديميين والمثقفين إلى الأطباء والمحامين والمعلمين والطلاب، فهذه القوى الاجتماعية تمثل الضمير الحي للمجتمع، وصمتها في لحظات الأزمات قد يسهم في إطالة عمر المشكلة.
لقد بدأت بعض المؤشرات تظهر أن جيلًا جديدًا من الشباب بدأ يستعيد صوته ودوره في المجال العام، وهذا الجيل، الذي نشأ في ظل التحولات التي شهدتها البلاد بعد 2011، لم يعد أسيرًا للسرديات القديمة أو لحملات الدعاية المتبادلة، بل يسعى إلى البحث عن الحقيقة وإعادة طرح الأسئلة الأساسية حول مستقبل الدولة.
غير أن استمرار الوضع الحالي يحمل في طياته مخاطر كبيرة، فالمجتمعات التي تعاني طويلًا من الفقر والظلم وغياب الأفق قد تصل في لحظة ما إلى نقطة الانفجار، وعندما يحدث ذلك، فإن النتائج لا تكون دائمًا قابلة للتوقع أو السيطرة.
ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي التحرك قبل الوصول إلى تلك اللحظة، فالمطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات أو إعادة إنتاج الصراعات القديمة، بل الشروع في حوار وطني حقيقي يضع مصلحة البلاد فوق كل الاعتبارات الأخرى.
إن ليبيا، رغم كل ما مرت به، لا تزال تمتلك فرصة للخروج من أزمتها، لكن هذه الفرصة تتطلب شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، واستعدادًا للتخلي عن المصالح الضيقة، وإرادة جماعية لبناء دولة تقوم على الحرية والعدالة وسيادة القانون.
فالخيار في النهاية واضح: إما الاستمرار في طريق الانقسام والتبعية، وإما التوافق على مشروع وطني يعيد إلى الدولة مؤسساتها وإلى المجتمع ثقته بنفسه، وبين هذين الطريقين يتحدد مستقبل ليبيا.
