مقالات الرأي

الاقتصاد الصحي في الحروب

د.علي المبروك أبوقرين

لم يكد العالم يلتقط أنفاسه من صدمة جائحة الكوفيد 19حتى وجد نفسه من جديد أمام عالم مضطرب تتصاعد فيه الحروب وتتسع فيه الصراعات، فالأزمة التي بدأت صحية تحولت سريعاً إلى أزمة اقتصادية عالمية، ثم جاءت الحروب لتضيف طبقة أخرى من التعقيد، لتجد النظم الصحية نفسها في قلب عاصفة مركبة تجمع بين المرض والسلاح والاقتصاد.

ولم تعد الصحة مجرد خدمة اجتماعية تقدمها الدول لمواطنيها بل أصبحت جزءاً حساساً من معادلة الأمن والاستقرار العالمي. إن الحروب المعاصرة لا تُقاس فقط بعدد الضحايا أو مساحة الدمار بل بمدى قدرتها على تفكيك النظم التي تحفظ الحياة اليومية للمجتمعات، ومن بين هذه النظم يقف النظام الصحي في الصف الأول، لأنه الأكثر اتصالاً بحياة الناس والأكثر اعتماداً على شبكات معقدة من الاقتصاد والتكنولوجيا والإمداد.

وعندما تضطرب هذه الشبكات، فإن المستشفيات والعيادات والمختبرات تصبح فجأة أمام واقع جديد لم تُبنَ له في الأصل، ولقد كشفت الحرب مثل الحرب الروسية الاكرانية، وما تبعها من اضطرابات في أسواق الطاقة والنقل والغذاء، عن هشاشة سلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد عليها الصناعة الطبية.

كما أن الحروب الدائرة في الشرق الأوسط، وعلى رأسها غزة التي دمرت وما آلت اليه المنطقة بكاملها مؤخرا، وما يرتبط بها من توترات إقليمية ممتدة، أظهرت أن النظام الصحي قد يتحول في لحظة واحدة من منظومة للرعاية إلى منظومة إنقاذ تعمل تحت ضغط القصف والحصار وانقطاع الإمدادات.
فالاقتصاد الصحي، الذي يقوم في جوهره على التوازن بين الموارد والاحتياجات، يجد نفسه في زمن الحروب أمام معادلة مختلة. فالحروب ترفع تكاليف كل شيء تقريباً: الأدوية، المعدات، الأجهزة، النقل، الطاقة، وحتى مواد التشغيل البسيطة التي لا يمكن لأي مستشفى أن يعمل بدونها. ومع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب طرق التجارة، تبدأ سلسلة طويلة من الزيادات في الأسعار تمتد من المصنع إلى المستودع ثم إلى الصيدلية ثم إلى المريض، لكن المشكلة لا تقف عند حدود التكلفة. فالحروب تعيد تشكيل الاقتصاد المعيشي للمجتمعات نفسها.

ترتفع أسعار الغذاء والطاقة والسكن، وتتآكل القدرة الشرائية للناس، وتزداد معدلات الفقر والهشاشة الاجتماعية. وفي هذه اللحظة يبدأ الطلب على الخدمات الصحية في الارتفاع، ليس فقط بسبب الإصابات والأمراض، بل بسبب الضغوط النفسية والاجتماعية وسوء التغذية وتدهور ظروف الحياة.

وهكذا تدخل النظم الصحية في حلقة ضغط مزدوجة: طلب متزايد على الخدمات في الوقت الذي تتناقص فيه الموارد المالية وتتضاعف تكاليف التشغيل. أما في مناطق الحروب نفسها، فإن النظام الصحي يعيش تجربة وجودية قاسية. فالمستشفيات قد تتحول إلى أهداف أو إلى ملاجئ، والمراكز الصحية قد تتوقف عن العمل، وشبكات الكهرباء والمياه قد تنهار، وسلاسل التبريد التي تحفظ اللقاحات والأدوية قد تتعطل. وفي الوقت ذاته، يضطر كثير من الأطباء والممرضين إلى الهجرة أو النزوح، فيفقد النظام الصحي أهم موارده: الإنسان الذي يحمل المعرفة والخبرة والقدرة على العلاج.

وفي الشرق الأوسط اليوم، حيث تتقاطع الجغرافيا السياسية مع الأزمات الإنسانية، يتجلى هذا المشهد بوضوح مؤلم، فالحروب والصراعات الممتدة لا تترك آثارها فقط على المدن والبنية التحتية، بل على قدرة المجتمعات على الحفاظ على أبسط مقومات الحياة الصحية. فالجرحى يتزايدون، والمرضى المزمنون يفقدون العلاج، والأطفال يفقدون برامج التطعيم، وتصبح الصحة العامة رهينة للظروف الأمنية والسياسية.

ولا تقتصر هذه الآثار على الدول التي تدور فيها الحروب مباشرة. فالدول المجاورة تتحمل بدورها أعباء ضخمة نتيجة تدفق اللاجئين والجرحى والمرضى، فتتعرض مستشفياتها ونظمها الصحية لضغط إضافي يفوق قدرتها أحياناً. وهكذا تتحول الصحة من قضية خدمية داخلية إلى قضية إقليمية وإنسانية تتجاوز حدود الدول.
إن أخطر ما تكشفه هذه المرحلة هو أن العالم بنى كثيراً من نظمه الصحية على افتراض الاستقرار، بينما الواقع الجديد يقوم على الاضطراب المستمر. فالعالم الذي عرف الأوبئة قبل سنوات قليلة، أصبح اليوم يواجه مزيجاً من الأوبئة والحروب والأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية في وقت واحد.

وفي مثل هذا العالم لم يعد السؤال: كيف نحسن الخدمات الصحية فقط، بل كيف نحافظ على قدرة النظام الصحي نفسه على البقاء والاستمرار، وهنا تظهر الحاجة إلى رؤية جديدة للصحة تتجاوز حدود الطب والمستشفيات. فالصحة في زمن الاضطراب العالمي تحتاج إلى اقتصاد صحي مرن، وصناعات دوائية قادرة على الصمود، ومخزونات استراتيجية من الأدوية والمستلزمات، وأنظمة طوارئ وإنقاذ متقدمة، إضافة إلى استثمار عميق في التكنولوجيا الصحية والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد الذكية، كما تحتاج إلى حماية القوى العاملة الصحية التي أصبحت في كثير من الأحيان خط الدفاع الأخير عن المجتمعات. إن الحروب، مهما بدت بعيدة عن المستشفيات والعيادات، تدخل في النهاية إلى قلب النظام الصحي عبر الاقتصاد والإمداد والمعيشة اليومية. ولهذا فإن الدفاع عن الصحة لم يعد شأناً طبياً فقط، بل أصبح جزءاً من الدفاع عن استقرار المجتمعات نفسها.


ففي عالم تتجاور فيه الأوبئة مع المدافع، وتتقاطع فيه الأزمات الاقتصادية مع الصراعات المسلحة، يصبح النظام الصحي أحد آخر الحصون التي تحمي الحياة الإنسانية. وإذا كانت الحروب تدمّر المدن، فإن انهيار النظم الصحية يهدد قدرة المجتمعات على الاستمرار في الحياة نفسها. وفي هذا الزمن المضطرب، تبدو الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: إن الصحة ليست ضحية للحروب فقط، بل هي أيضاً أحد ميادينها الصامتة؛ الميدان الذي تُقاس فيه قدرة الإنسان على حماية الحياة في أكثر اللحظات قسوة وظلاماً.

زر الذهاب إلى الأعلى