العالم المضطرب وصحة المجتمعات

بقلم د.علي المبروك أبوقرين
يعيش العالم اليوم مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب والتسارع. فبعد الجوائح الوبائية القاسية التي ما تزال آثارها الصحية والاقتصادية حاضرة ومع استمرار ظهور متحورات جديدة واحتمال موجات أخرى أشد انتشارًا، بات واضحًا أن الأمن الصحي لم يعد قضية طبية فقط بل أصبح جزءًا من الأمن الإنساني الشامل. وفي الوقت ذاته تتصاعد أخطار أخرى لا تقل خطورة وعشناها عن قرب زلازل وسيول مدمرة وعواصف مناخية عنيفة، وتغيرات بيئية متسارعة، وصراعات وحروب داخلية وإقليمية ودولية تضرب البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات. ومع كل أزمة من هذه الأزمات تتعرض النظم الصحية لضغوط هائلة، لأن المستشفيات والكوادر الطبية والبنية التحتية الصحية هي أول ما يُستدعى عند وقوع الكوارث. كما تتزامن هذه التحديات مع اضطرابات اقتصادية عالمية وارتفاع تكاليف المعيشة، وهجرات غير نظامية واسعة، ونقص متزايد في القوى العاملة الصحية نتيجة الهجرة المهنية أو ضعف نظم التعليم والتدريب. وفي بعض البلدان تتفاقم المشكلة أكثر بسبب تدهور النظام الصحي نفسه وتراجع جودة التعليم الطبي والتدريب السريري، ما يضعف قدرة المجتمع على الاستجابة للأزمات الصحية المتلاحقة. وفي ظل هذا المشهد المعقد تظهر مفارقة لافتة، فالعالم يشهد في الوقت نفسه قفزة تكنولوجية هائلة. فهناك رقمنة متسارعة ومنصات ذكية وذكاء اصطناعي، وأنظمة تحليل خوارزمية، وتطور كبير في الطب التنبؤي والتشخيصي. هذه التقنيات تحمل إمكانات هائلة لتحسين الرعاية الصحية وإدارة الأزمات، لكنها تحتاج إلى نظم صحية قوية وقادرة على استيعابها وتوظيفها بوعي. وهنا وجب السؤال هل يمكن مواجهة هذه التحديات المتشابكة عبر حلول سريعة أو جزئية؟ إن التجارب العالمية تشير إلى أن النظم الصحية التي صمدت أمام الأزمات الكبرى كانت تلك التي اعتمدت على رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على التخطيط المؤسسي والاستثمار في الصحة العامة والتعليم الطبي والبحث العلمي. أما النظم التي اعتمدت على سياسات مجزأة أو حلول مؤقتة فقد وجدت نفسها عاجزة أمام الأزمات المتتالية. إن بناء نظام صحي قادر على مواجهة المستقبل يحتاج إلى عناصر أساسية واضحة ،منها رؤية وطنية للصحة تضع الإنسان في مركز السياسات العامة. واستراتيجيات طويلة الأمد لتطوير التعليم الطبي والتدريب السريري. والاستثمار في الوقاية والصحة العامة قبل العلاج. وتعزيز القوى العاملة الصحية وحمايتها من الهجرة والتآكل المهني. وبناء بنية تحتية صحية مرنة قادرة على الاستجابة للكوارث والأوبئة. واستخدام التكنولوجيا الحديثة بطريقة مدروسة تعزز كفاءة النظام الصحي دون أن تفقده بعده الإنساني. فالتحديات التي تواجه العالم اليوم ليست مؤقتة بل هي جزء من مرحلة تاريخية تتسم بتداخل الأزمات الصحية والبيئية والاقتصادية. ولهذا فإن السياسات الصحية تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والجرأة والتخطيط العلمي. لقد استطاعت دول كثيرة في الماضي أن تبني أنظمة صحية قوية انطلاقًا من ظروف صعبة أو موارد محدودة، مستندة إلى الإرادة السياسية والتنظيم المؤسسي والاستثمار في الإنسان. وهذا يعني أن إعادة بناء النظم الصحية ليست أمرًا مستحيلًا بل هي مشروع طويل يحتاج إلى رؤية واضحة وثقة في قدرة المجتمعات على النهوض من جديد. فالعالم يتغير بسرعة، والتحديات تتعاظم، لكن قدرة المجتمعات على إعادة البناء لا تقل قوة عن تلك التحديات. والأمم التي تجعل صحة الإنسان أساس سياساتها تملك دائمًا فرصة جديدة للنهوض، مهما كانت الظروف صعبة.
