مقالات الرأي

رسائل الصمود والردع


عفاف الفرجاني

في لحظات الأزمات الكبرى، تكشف الشعوب عن معدنها الحقيقي، ويبرز مدى قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط والتهديدات. وفي خضم التصعيد العسكري الأخير، يقدّم الشعب الإيراني مشهدًا لافتًا من التماسك الداخلي، حيث خرجت جموع من المواطنين إلى الميادين والساحات العامة في عدد من المدن، في تعبير واضح عن التضامن الوطني ورفض الخضوع لما يصفه كثيرون في إيران بالعدوان الصهيوني-الأمريكي.
هذا الحضور الشعبي في الشوارع لا يُقرأ فقط بوصفه فعلًا رمزيًا، بل باعتباره رسالة سياسية ومعنوية في لحظة توتر إقليمي شديد. فالشعوب حين تشعر بأن بلدها يواجه تهديدًا خارجيًا تميل إلى الالتفاف حول دولتها ومؤسساتها، وتتحول الميادين إلى مساحة لإعلان التحدي والتأكيد على الاستعداد لتحمل تبعات المواجهة.
في المقابل، تتصاعد المواجهة العسكرية بوتيرة متسارعة. فوفق ما تعلنه طهران، يواصل الحرس الثوري الإيراني تنفيذ ضربات تستهدف مواقع عسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، في إطار ما تصفه إيران بمعادلة الردع والرد على الهجمات التي تتعرض لها. وقد أدى هذا التصعيد إلى حالة استنفار واسعة داخل إسرائيل، حيث دفعت الضربات الصاروخية المتبادلة ملايين السكان إلى اللجوء إلى الملاجئ في عدد من المدن، وسط حالة من التوتر الأمني والقلق المتصاعد.
ويعكس هذا المشهد طبيعة الصراع المعقد في المنطقة، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية مع الحسابات السياسية والإستراتيجية. فكل طرف يسعى إلى إرسال رسائل واضحة للخصم، سواء عبر الميدان العسكري أو عبر تعبئة الجبهة الداخلية، في محاولة لترسيخ معادلات جديدة للردع.
لكن ما يلفت الانتباه في هذه اللحظة هو الدور الذي تلعبه الجبهة الداخلية في تحديد مسار المواجهة. فتماسك المجتمع وقدرته على الصمود تحت الضغط يشكلان عاملًا مهمًا في حسابات الصراع، وقد يكونان أحيانًا بقدر تأثير القدرات العسكرية نفسها.
وفي ظل هذا التصعيد، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة دقيقة، تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة السياسية لتجنب الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الأطراف المباشرة للصراع. فالتاريخ القريب في الشرق الأوسط يثبت أن الحروب حين تتوسع يصعب التحكم في تداعياتها.
وبين صمود الشارع الإيراني وتصاعد التوتر العسكري في المنطقة، يبقى السؤال الأهم: هل تقود هذه التطورات إلى تثبيت توازن ردع جديد، أم أنها مجرد محطة أخرى في سلسلة طويلة من الصراعات التي لم تعرف المنطقة نهايتها بعد؟

زر الذهاب إلى الأعلى