مقالات الرأي

النعمة بين حسن التدبير والتدمير( مأساة تدمير ما بُني للصحة )

بقلم د.علي المبروك أبوقرين


هناك حقيقة إنسانية تتكرر في التاريخ بصور مختلفة من لا يعرف قيمة النعمة قد يصبح أول من يساهم في تدميرها. فالنعمة لا تضيع دائمًا بسبب الفقر أو العجز، بل قد تضيع أحيانًا بسبب سوء الفهم وسوء الإدارة وقصر النظر. وحين يحدث ذلك تتحول الوفرة إلى عبء، ويتحول ما كان مصدر قوة إلى بداية تآكل بطيء لا يراه الناس إلا بعد أن يصبح الخراب واقعًا. وهذا المشهد يتكرر اليوم بصورة مؤلمة في بعض البلدان التي امتلكت يومًا بنية تحتية صحية قوية، لكنها لم تحسن إدارتها أو تطويرها، فبدأت تلك المنظومة تتآكل تدريجيًا تحت ضغط السياسات المرتجلة والقرارات قصيرة الأمد. وفي الحالة الليبية لم يكن النظام الصحي في بداياته مشروعًا هشًا أو فقيرًا. بل على العكس، بُني عبر عقود على رؤية اجتماعية واضحة تعتبر الصحة حقًا عامًا ومسؤولية مباشرة للدولة تجاه مواطنيها. وقد نتج عن ذلك بناء شبكة واسعة من المستشفيات والمراكز الصحية والعيادات التخصصية التي امتدت عبر المدن والبلدات والمناطق النائية، حتى أصبحت تغطي البلاد بصورة تكاد تكون شاملة. وكانت تلك البنية التحتية الصحية في زمنها إنجازًا حقيقيًا في سياق المنطقة. فقد وفرت خدمات صحية مجانية لملايين المواطنين، وأتاحت الوصول إلى العلاج دون أن يكون المال شرطًا للنجاة من المرض. كما ارتبطت هذه المنظومة بتوفير الأدوية الأصلية عبر نظم إمداد مركزية، الأمر الذي ساهم في بناء ثقة اجتماعية واسعة في النظام الصحي. لكن المفارقة المؤلمة أن ما بُني عبر سنوات طويلة من الاستثمار العام والتخطيط المؤسسي لم يُدمّر بسبب نقص الموارد بل بدأ يتعرض للتآكل بسبب ضعف الإدارة وغياب الرؤية الاستراتيجية. فعوضًا عن تطوير البنية التحتية القائمة وصيانتها وتعزيز كفاءتها، بدأت تظهر سياسات تلتف حولها أو تتجاوزها، وتستبدل ما هو قائم رغم قابليته للإصلاح بنماذج أقل قدرة وكفاءة. وفي هذه اللحظة يظهر أحد أخطر التحولات في مسار أي نظام صحي وهو استبدال النظام بالبقايا. فحين تتراجع المؤسسات الصحية العامة القادرة على تقديم خدمات واسعة ومنظمة، تُستبدل تدريجيًا بمؤسسات أصغر وأكثر تشتتًا، أو بخدمات جزئية لا تستطيع أن تقوم مقام النظام المتكامل. والمفارقة أن هذه البدائل غالبًا ما تكون أكثر تكلفة وأقل جودة. فبدلًا من نظام صحي عام يخدم الجميع بتكلفة اجتماعية معقولة، تظهر أنماط جديدة من الخدمات الصحية تعتمد على الإنفاق الفردي، أو على مؤسسات محدودة الإمكانات، أو على استيراد خدمات طبية من الخارج. وهكذا يتحول ما كان يومًا حقًا عامًا إلى خدمة يدفع ثمنها الفرد. وفي الوقت نفسه تتعرض منظومة الإمداد الدوائي للتغير، فتتراجع الأدوية الأصلية التي كانت تصل عبر قنوات منظمة، ويزداد الاعتماد على أسواق أكثر اضطرابًا وتفاوتًا في الجودة. وهنا لا تكون الخسارة مجرد مسألة تقنية تتعلق بالإدارة الصحية بل تصبح خسارة اجتماعية واقتصادية عميقة. فالمجتمع الذي يفقد نظامه الصحي العام لا يفقد فقط المستشفيات أو الأدوية بل يفقد أحد أهم عناصر الأمان الاجتماعي. كما أن الاقتصاد نفسه يتأثر؛ لأن العلاج الذي كان مجانيًا أو منخفض التكلفة يتحول إلى عبء مالي على الأفراد والأسر، فتزداد معدلات الفقر الصحي، ويضطر كثير من الناس إلى تأجيل العلاج أو التخلي عنه. إن تدمير البنية التحتية الصحية لا يحدث دائمًا عبر قرار مباشر بل قد يحدث عبر إهمال طويل الأمد أو عبر قرارات صغيرة متراكمة تفكك النظام دون أن يبدو ذلك واضحًا في البداية. لكن النتيجة النهائية تكون واحدة: نظام صحي أقل قدرة وأكثر تكلفة وأضعف جودة. إن الدول التي نجحت في الحفاظ على نظمها الصحية لم تفعل ذلك لأنها لم تواجه أزمات بل لأنها أدركت قيمة ما تملك، وعملت على تطويره وليس استبداله. فالبنية التحتية الصحية ليست مجرد مبانٍ وأجهزة بل هي تراكم طويل من الخبرة المؤسسية والكوادر البشرية والنظم الإدارية. وإعادة بنائها بعد تدميرها أصعب بكثير من الحفاظ عليها. ولهذا فإن الحكمة في إدارة الصحة لا تقوم على هدم ما هو قائم بحثًا عن بدائل سريعة بل على إصلاح ما يمكن إصلاحه وتطوير ما يمكن تطويره. فالمجتمعات التي لا تدرك قيمة ما تمتلكه من مؤسسات صحية قد تجد نفسها بعد سنوات أمام حقيقة قاسية وهي أن ما كان يبدو قابلًا للاستبدال بسهولة كان في الواقع أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي. وإن النعمة التي لا تُفهم قيمتها قد تتحول إلى ضحية لقرارات عابرة، لكن المجتمع الذي يستعيد وعيه بقيمة مؤسساته يستطيع أن يحميها ويعيد لها قوتها. فالصحة ليست مشروعًا عابرًا في ميزانية الدولة بل هي ضمانة الحياة الكريمة للمجتمع كله.
نحمد الله على ما أعطانا من نعم

زر الذهاب إلى الأعلى