مقالات الرأي

الحروب وفلسفة الاستعداد الطبي والصحي

د.علي المبروك أبوقرين

ليست الحروب مجرد صدام عسكري بين جيوش أو صراع جغرافي على النفوذ والحدود بل هي زلزال شامل يضرب بنية الحياة الإنسانية من جذورها، ويُعيد ترتيب الأولويات داخل المجتمعات بصورة قاسية ومفاجئة، وفي قلب هذه التحولات تقف الصحة العامة والنظم الصحية باعتبارها من أكثر القطاعات هشاشة وتأثرًا. فحين تتسع رقعة الصراع وتتداخل الجبهات وتتضاعف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تصبح الصحة خط الدفاع الأخير عن بقاء المجتمع نفسه، وتتحول المستشفيات والمراكز الصحية إلى خطوط مواجهة إنسانية لا تقل خطورة عن خطوط القتال.

الحروب المتوسعة خصوصًا في المناطق المأهولة ذات الكثافة السكانية العالية، تُحدث سلسلة من الاضطرابات الصحية المعقدة والمتشابكة. فالبنية التحتية الصحية التي تحتاج عقودًا لبنائها يمكن أن تتضرر في لحظات، وسلاسل الإمداد الطبية التي تعتمد على الاستقرار السياسي والاقتصادي قد تتعطل فجأة، والقوى العاملة الصحية التي تمثل العمود الفقري لأي نظام صحي قد تجد نفسها بين ضغوط العمل الهائلة وخطر النزوح أو فقدان الأمان الشخصي والعائلي. ومع اتساع رقعة النزاع، تتزايد أعداد المصابين والنازحين وتتصاعد الحاجة إلى خدمات الإسعاف والطوارئ والعلاج والجراحة والتأهيل والدعم النفسي، في وقت قد تكون فيه الموارد محدودة والقدرات الاستيعابية للمؤسسات الصحية قد بلغت حدودها القصوى.

إن أخطر ما تفعله الحروب بالنظم الصحية ليس فقط زيادة أعداد الضحايا، بل إحداث خلل عميق في التوازن بين الاحتياجات والقدرات. فالمستشفيات المصممة لخدمة مجتمع مستقر تجد نفسها فجأة أمام موجات متتالية من الإصابات الحادة والحروق والكسور والرضوض والإصابات البالغة، إضافة إلى استمرار الأمراض المزمنة والاحتياجات الصحية اليومية التي لا تتوقف بسبب الحرب. وهنا تظهر المفارقة القاسية: المجتمع يحتاج إلى خدمات صحية أكثر في الوقت الذي تتقلص فيه الموارد والإمكانات.

ومن منظور علم الصحة العامة لا يمكن التعامل مع هذه الظروف الاستثنائية بعقلية الخدمة الصحية الروتينية. فالحروب تتطلب نمطًا مختلفًا من التفكير الصحي يقوم على مفهوم المرونة الصحية، أي قدرة النظام الصحي على الصمود والتكيف والعمل تحت الضغط الشديد مع الحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية في تقديم الخدمات الأساسية. هذه المرونة لا تنشأ تلقائيًا في لحظة الأزمة بل تُبنى مسبقًا من خلال التخطيط الاستراتيجي والتدريب والتنسيق بين القطاعات المختلفة، وأحد أهم محاور الاستعداد الصحي في زمن النزاعات يتمثل في تعزيز قدرات الطوارئ الطبية والإنقاذ والإخلاء. فالاستجابة السريعة للحوادث الجماعية والإصابات المتعددة تتطلب شبكات إسعاف فعالة ومراكز فرز طبي قادرة على تصنيف الحالات بسرعة وتوجيهها إلى مستويات الرعاية المناسبة.

كما أن إدارة الإصابات الجماعية تعتمد على بروتوكولات واضحة للتعامل مع الحالات الحرجة وتوزيع الموارد الطبية المحدودة بطريقة تحقق أكبر قدر ممكن من إنقاذ الأرواح. وفي الوقت ذاته يجب أن تستمر الخدمات الصحية الأساسية التي يعتمد عليها المجتمع في حياته اليومية. فالحرب لا توقف الحاجة إلى علاج الأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب والسرطان، ولا توقف خدمات رعاية الأمومة والطفولة والتطعيمات الأساسية.
إن تعطّل هذه الخدمات قد يؤدي إلى خسائر صحية بعيدة المدى تتجاوز أحيانًا آثار الإصابات المباشرة للحرب نفسها. لذلك فإن الحفاظ على استمرارية الخدمات الصحية الروتينية يمثل جزءًا أساسيًا من الاستجابة الصحية المتوازنة. وسلاسل الإمداد الطبية تمثل عنصرًا حاسمًا في قدرة النظام الصحي على الاستمرار. فالأدوية والمستلزمات الطبية وأكياس الدم واللقاحات والمحاليل الوريدية والمضادات الحيوية كلها موارد لا يمكن تعويضها بسهولة في أوقات الأزمات. ولهذا فإن التخطيط الصحي في مناطق النزاع يعتمد على إنشاء مخزونات استراتيجية وتوزيعها جغرافيًا بطريقة تقلل مخاطر الانقطاع وتضمن الوصول السريع إلى الإمدادات الحيوية عند الحاجة. ولا تقل أهمية عن ذلك حماية القوى العاملة الصحية نفسها. فالطبيب والممرض والمسعف ليسوا مجرد مقدمي خدمات بل هم أيضًا بشر يعيشون تحت نفس الظروف التي يعيشها المجتمع، وقد يكونون هم وعائلاتهم من ضحايا النزاع أو النزوح أو الضغط النفسي الشديد. لذلك فإن دعم العاملين في القطاع الصحي نفسيًا ومهنيًا وتوفير الحماية القانونية والإنسانية لهم يمثل ضرورة أخلاقية وعملية في آن واحد. فالنظام الصحي لا يستطيع الاستمرار دون موارده البشرية، وفقدان هذه الكوادر قد يكون من أخطر آثار النزاعات طويلة الأمد.

الحروب أيضًا تترك آثارًا نفسية عميقة على المجتمعات، تمتد لسنوات وربما لأجيال. ومنها الصدمات النفسية والقلق المزمن والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة تنتشر في البيئات التي تعيش تحت القصف والخوف والنزوح وعدم اليقين.

لذلك فإن الرعاية النفسية والاجتماعية يجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ من الاستجابة الصحية، وليس مجرد خدمة ثانوية مؤجلة. ومن الناحية القانونية والإنسانية، فإن حماية الخدمات الصحية أثناء النزاعات ليست مجرد خيار أخلاقي بل التزام دولي تؤكد عليه قواعد القانون الإنساني الدولي التي تنص على ضرورة حماية المرافق الصحية والعاملين فيها وضمان وصول الرعاية الطبية إلى المدنيين دون تمييز. واحترام هذه المبادئ يمثل الحد الأدنى من الحفاظ على الإنسانية في زمن الحروب. لكن الواقع يفرض تحديًا أكبر كيف يمكن للمجتمعات أن تبني نظمًا صحية قادرة على الصمود في بيئة إقليمية مضطربة تتكرر فيها الأزمات والصراعات؟ والإجابة تكمن في الانتقال من مفهوم الاستجابة للأزمات إلى مفهوم الجاهزية الدائمة. والجاهزية تعني تطوير خطط طوارئ وطنية واضحة،و تدريب الكوادر الصحية على سيناريوهات الكوارث والنزاعات وإنشاء أنظمة معلومات صحية قادرة على رصد الأوبئة والاحتياجات الصحية بسرعة، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجالات الدعم الطبي والإغاثي.

كما أن الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية والمجتمعية يمثل ركيزة أساسية للمرونة الصحية. فالشبكات الصحية القريبة من المجتمع يمكنها الاستمرار في تقديم خدمات أساسية حتى عندما تتعرض المستشفيات الكبرى لضغوط هائلة، هذه الشبكات تمثل خط الدفاع الأول ضد انتشار الأمراض وضد انهيار الخدمات الصحية بالكامل. إن الحروب قد تبدو أحيانًا كقوة عمياء تدمر كل ما يقف في طريقها، لكن قدرة المجتمعات على تنظيم استجابتها الصحية يمكن أن تقلل كثيرًا من حجم الخسائر البشرية والمعاناة الإنسانية. والصحة في زمن الحرب ليست مجرد خدمة طبية بل هي منظومة إنقاذ إنسانية تتطلب العلم والتنظيم والتضامن الأخلاقي.

وفي النهاية تبقى الحقيقة الأعمق أن حماية الصحة أثناء النزاعات ليست مسؤولية الأطباء وحدهم بل مسؤولية سياسية وقانونية وإنسانية مشتركة. فالمجتمع الذي يحافظ على مستشفياته وممرضيها وأطبائه حتى في أحلك الظروف هو مجتمع يحاول أن يحافظ على إنسانيته نفسها، لأن بقاء الرعاية الصحية يعني بقاء الأمل في الحياة حتى وسط أكثر الأوقات ظلمة.

زر الذهاب إلى الأعلى