مقالات الرأي

خطر البنية الصحية المعطلة

علي أبوقرين

تعطيل البنية التحتية الصحية في ليبيا لم يكن حادثًا عابرًا ولا نتيجة ظرف طارئ بل مسارًا تراكميًا أفقد البلاد واحدة من أفضل المنظومات الصحية التي كانت إلى وقت قريب تُعد من الأكثر تقدمًا في المنطقة من حيث الانتشار والإتاحة والعدالة وجودة الخدمة. ما جرى لم يكن فقط إهمالًا بل تفكيكًا بطيئًا ومقصودًا لقدرة الدولة على الشفاء، وإفراغًا للمؤسسات من معناها وتحويلها إلى هياكل عاجزة لا تحمي المرض ولا تمنع الانهيار. لقد جرى العبث بأساس فكرة الصحة العامة نفسها، بوصفها حقًا جامعًا وليس خدمة انتقائية، وليس سلعة خاضعة لمنطق العرض والطلب. وبالتوازي يشهد التعليم الطبي توسعًا غير منضبط، بعيدًا كل البعد عن المعايير الأكاديمية والمهنية بلا قواعد واضحة ولا مستشفيات تعليمية حقيقية، ولا بيئة تدريب سريري مؤهلة. كأن الهدف لم يعد إعداد طبيب قادر على التشخيص والعلاج والمسؤولية بل إنتاج أعداد تُزج بها في سوق صحي مأزوم فتزيده هشاشة بدل أن تُصلحه. والتعليم الذي كان رافعة للنهضة الصحية تحوّل في كثير من جوانبه إلى عبء ثقيل وإلى تشويه لمهنة يفترض أنها تقوم على الدقة والضمير والمعرفة العميقة بالإنسان قبل المرض. أما القطاع الخاص الصحي فقد خرج في معظمه عن أي منطق مهني لم يعد مكملًا للنظام العام ولا شريكًا في تخفيف العبء بل تحول إلى سوق مفتوح لا تحكمه معايير ولا تضبطه رقابة ولا تحكمه رسالة. تجارة صريحة في الألم تستثمر في خوف المرضى وتسوق الوهم وتغالي في الأسعار دون أن تقدم ضمانًا للنتائج. خدمات طبية بلا جودة حقيقية وبلا كفاءات راسخة وبلا مساءلة، تستهلك ما تبقى من ثقة المجتمع في الطب وتحول العلاج إلى رحلة استنزاف نفسي ومالي. وفي قلب هذا المشهد القاتم يقف المريض الليبي حائرًا، لا يعرف أين يتجه. وإن لجأ إلى المستشفى العام وجد أجهزة معطلة ونقصًا في الأدوية وغيابًا للكوادر وتمريضًا منهكًا يعمل فوق طاقته. وإن قصد الخاص وجد نفسه أمام فواتير مفتوحة بلا سقف، وخيارات علاجية غير واضحة، ونتائج غير مضمونة. وحين يفشل الداخل يُدفع قسرًا إلى الخارج حيث الغربة وتآكل المدخرات وبيع الممتلكات والاستدانة، وتحول المرض من محنة صحية إلى كارثة اجتماعية واقتصادية. فانهيار النظام الصحي هنا ليس فوضويًا فقط بل مستمر وممنهج. تتشابك فيه المصالح الضيقة وتضارب الأدوار وغياب الحوكمة وانعدام الشفافية. كلما ضعف النظام الصحي اتسعت مساحات الربح غير المشروع، وكلما غابت الدولة تمددت شبكات الاستفادة من الفوضى. والمستفيدون كُثر والخاسر الوطن بكل مكوناته والمجتمع في تماسكه والاقتصاد في قدرته على الصمود والإنسان في كرامته وأمنه الوجودي. والأخطر من كل ذلك أن هذا الانهيار يعيد إنتاج تاريخ كان يُفترض أنه دُفن إلى غير رجعة. تاريخ الفقر المدقع والمرض والمجاعات والأوبئة وغياب الوقاية وانعدام التحصين، حين كان الجهل هو القاعدة والموت حدثًا يوميًا، والمرض قدرًا لا يُقاوم. شبح ذلك الماضي يطل اليوم من باب الصحة الغائبة، ومن صيدليات عامة فارغة، ومن أدوية مغشوشة أو منتهية الصلاحية، ومن عجز الدولة عن حماية أبسط حقوق مواطنيها في الحق في العلاج الآمن. وحين ينهار النظام الصحي لا ينهار قطاع واحد بل تتداعى معه كل البُنى. وتتآكل الطبقة الوسطى التي تشكّل عمود الدولة الفقري، وتُدفع إلى الفقر أو الفقر المدقع. ويتسرب الأبناء من التعليم، وتزداد البطالة وتتوسع الجريمة، وتنتشر الاضطرابات النفسية والسلوكية. والمرض هنا لا يعود سببًا فقط بل نتيجة ومُغذيًا في آن واحد في حلقة مفرغة تُفكك المجتمع من الداخل. فالنظام الصحي الذي يسمح بتحويل المرض إلى تجارة، والعلاج إلى امتياز طبقي، إنما يوقّع على عقد تفكك اجتماعي طويل الأمد. الصحة ليست بندًا ماليًا بل شرط بقاء. وليست تكلفة بل استثمار في الإنسان. وحين تُفقد هذه البوصلة يصبح الانهيار مسألة وقت لا أكثر. وهذا ليس للتشاؤم بل للتحذير وليس للجلد بل للإنقاذ قبل فوات الأوان. لأن ما يُهدم اليوم في الصحة إن لم يُستدرك سيُدفع ثمنه غدًا أضعافًا في الأمن والاقتصاد والاستقرار ومستقبل الأجيال.

زر الذهاب إلى الأعلى