مقالات الرأي

المواطن الليبي في زمن الانكسار


بقلم/ عبد الله ميلاد المقري


يتذكر المواطن الليبي هذا اليوم، وهو يتابع الأخبار حول قدوم شهر رمضان هذه السنة، فيندب حاله: من أين يتبع موعد بداية شهر رمضان في دولة متجذِّرة في الانقسام؟ بين من يتبع في صيامه وهو مكسور الخاطر، تقوده شخوص التجزئة حتى في إعلامه لإثبات رؤية الهلال، ليطمئن أن صيامه لم يكن معلَّقًا بين مواطن الاختلاف، وهو يبكي بغصَّة. فليبيا التي غطَّت كثيرًا من الدول الأفريقية بمراكز إسلامية تُعلِّم الشريعة الإسلامية السمحة دون تحويلها إلى بثٍّ للفكر الظلامي، يشهد العالم، بما فيه أمريكا نفسها، في تقاريره الاستخبارية، أن جمعية الدعوة الإسلامية في عهد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم وقائدها معمر القذافي لم يكن لها، من قريب أو بعيد، أي صلة بأشكال من الإرهاب. وكانت، إضافة إلى تحفيظ القرآن وتعليم اللغة العربية، تقوم بمشاريع إنسانية كبيرة في مجال التطعيمات ضد الأمراض، وتقديم المنح للمحتاجين، وشاركت دولة الإمارات، عندما كان الشيخ زايد على قيد الحياة، في تأسيس المراكز الإسلامية، ولا تزال تقوم بدورها في القارة.
ومن هنا، وقد دارت به الدوائر إلى هذه النقطة، أصبح الحال يفقده قدرته على التعبير عن واقعه البائس ومعيشته المتدهورة، وهو يستعد لصوم شهر رمضان الكريم، وأبناؤه يتعلَّقون به، والعوز يقودهم إلى فقدان مستوى مناسب من المعيشة. فلم يعد مصدر الرزق يغطي هذا الغلاء الفاحش، في ظل فقدان السيولة، وإن وُجدت تحوَّلت المصارف والمضاربة إلى شريك في استغلال المرتب أو حتى العائد من المحصول الزراعي، في ظل فقدان الموسم للإنتاج بعد أعوام من الجدب، وتراجع الناتج من الغذاء أو ما يتحصل من الخدمات والاستثمار غير النافع المرتبط بمجازفة خطيرة.
فهذا المواطن غير معني بهذه المناسبة التي كانت عليه وبالًا كارثيًّا، وبالتالي غير معنيٍّ حتى بتذكُّرها. وتبخَّرت أوهام من كان يسوِّق للمرتب بخمسة آلاف دولار، وللسيارة المرسيدس التي تحضر الخبزة إلى البيت، فأصبح الدولار يقترب من عشرة دنانير، وأصبحت ليبيا تعجُّ بالسيارات المستعملة، ولم يشهد السوق وجود أي نوع من السيارات الجديدة. وهذا المثال كافٍ لما يتذكره الليبيون بعد أكثر من خمس عشرة سنة من الكارثة استهدف أن يتحول المواطن إلى حالة عجز وفقر تطحنه الأزمة دونما يجابهها وهو في حالة من الوعي والقوة قبل أن تطحنه وتحوله إلى جسد غير قادر على الحركة والفعل لمواجهة حالة الهوان والموت.

زر الذهاب إلى الأعلى