بعد الباب المكسور

بقلم / عفاف الفرجاني
ما جرى في مصراتة لا يمكن قراءته كحدث أمني عابر، بل كتحوُّل حساس يمسُّ توازن العلاقة بين المؤسسات السيادية والقوى المسلحة. الحديث المتداول عن تحرك قوة تابعة للكتيبة 111، بقيادة وكيل في وزارة الدفاع، ومحاصرة مقر إدارة الاستخبارات في المدينة، يضعنا أمام مشهد شديد الدلالة، عندما تتحرك قوة عسكرية باتجاه جهاز استخباراتي، فإن المسألة تتجاوز الخلاف الإداري إلى إعادة رسم حدود النفوذ داخل الدولة.
الوقائع المتداولة تشير إلى سيطرة ميدانية على المقر، وإلى خروج عدد من الموقوفين على خلفيات قضايا توصف بأنها مرتبطة بأعمال عنف وتطرف، سواء اختلفت الروايات حول التفاصيل أو التبريرات، فإن النتيجة واحدة: صورة المؤسسة الاستخباراتية اهتزت، وسؤال الشرعية عاد إلى الواجهة.
ليبيا عانت طويلًا من ازدواجية السلطة بين مؤسسات رسمية وتشكيلات مسلحة اكتسبت نفوذًا بفعل الواقع الأمني بعد 2011. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تنتقل هذه الازدواجية إلى داخل الأجهزة السيادية نفسها. جهاز الاستخبارات، بحكم طبيعته، يفترض أن يكون بعيدًا عن التجاذب، وأن يخضع لتسلسل مؤسسي واضح. أما حين يُحاصر مقره وتُفرض معادلة ميدانية عليه، فإن الرسالة تتجاوز حدود مدينة واحدة.
المقارنة هنا ضرورية. حين نفذت قوة أجنبية عملية قبض داخل ليبيا قبل سنوات، احتُجَّ سياسيًّا على المساس بالسيادة، لكن لم نشهد اقتحام مؤسسات محلية كردِّ فعل. اليوم، وفي سياق حكم قضائي محلي يتعلق بأحد الأسماء المتداولة في قضايا عنف، يتحول الخلاف إلى تحرك مسلح داخل مدينة ليبية. المفارقة تكشف خللًا في ترتيب الأولويات وفي تعريف السيادة ذاتها.
الأخطر هو السيناريو الافتراضي: ماذا لو تكرر النموذج في طرابلس، حيث يحتجز سجن الردع عددًا من الموقوفين في ملفات عنف وتطرف؟ ماذا لو قررت قوة مسلحة هناك الاعتراض على مسار قضائي بالطريقة نفسها؟ حينها لن يكون الأمر صراعًا موضعيًّا، بل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الوطني.
الدولة لا تفقد تماسكها بضربة واحدة، بل حين يصبح تنفيذ القرارات رهينًا بموازين السلاح. ما حدث في مصراتة ليس مجرد مواجهة محدودة، بل اختبار لقدرة ليبيا على تثبيت قاعدة بسيطة: المؤسسات فوق التشكيلات، والقانون فوق القوة. إذا لم تُحسم هذه القاعدة بوضوح، فإن الباب سيظل مفتوحًا أمام تكرار المشهد، ومع كل تكرار يتراجع معنى الدولة خطوة أخرى إلى الخلف.
