جسد الاقتصاد ينزف.. فهل من طوارئ وطنية لإنقاذه؟

عبد الفتاح الشريف
يروى أن أسعد باشا وهو أشهر ولاة دمشق في العصر العثماني في القرن الثامن عشر احتاج إلى تمويل خزانة الولاية، فاجتمع بحاشيته التي اقترحت عليه علاجًا سريعًا معتادًا يقوم على فرض ضرائب جديدة على الرعية، ولكن الوالي الحكيم رفض الاستجابة لهذا المقترح وانتهج سياسة مختلفة تتمثل في مقولته الخالدة (جز صوف الكباش خير من سلخ جلود الحملان) ويقصد بالكباش الأغنياء وأصحاب الفائض والمتحكمين في المال العام بينما يقصد بالحملان الفقراء وعامة الشعب، فاختار أن يستهدف كبار العاملين في الولاية الذين استغلوا نفوذهم وتمكنوا من جمع ثروات طائلة بطرق غير مشروعة، وبدآ بالمفتي وكبير القضاة ورئيس الشرطة وكبير التجار وشبكة التجارة التي كان يديرها، وتمكن بطريقه ذكية تجمع بين الوعيد والتهديد من استرداد الأموال المنهوبة بغير وجه حق من المستغلين والنافذين، وجمع ما تحتاجه الولاية من أموال بدون أن يرهق الفقراء أو يدمر قدرتهم على العطاء والحياة.
وقد خلد التاريخ هذه المقولة لتقدم لنا درسًا يحتذى به في العدالة الاقتصادية والسياسات المالية الرشيدة، وهي أن تجز الفائض عند الأقوياء لا أن تسلخ قوت اليوم من جلود الضعفاء، فهل تستلهم سياساتنا الاقتصادية الحالية هذه الحكمة؟ وهل سنشهد سياسات تركز على جز الكباش وتتوقف عن سلخ الحملان؟ وهل سيتوقف هدر الموارد وانهيار الدينار وتآكل المدخرات؟
فالنزيف يتسارع ولا جدوى من العلاجات المسكنة، فرغم التحذيرات التي أطلقها الخبراء والمختصون أصدر مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي قرارًا جديدًا بتخفيض سعر صرف الدينار الليبي بنسبة ١٤.٧٪ أمام وحدة حقوق السحب الخاصة، ليصل سعر صرف الدولار إلى ٦.٣٥ دينار، وبهذا التخفيض الثالث من نوعه منذ ٢٠٢١ فقد الدينار الليبي نحو ٨٠ ٪ من قيمته السابقة، هذه ليست مجرد أرقام في جداول أو إحصائيات اقتصادية، بل هي نزيف حقيقي في جيوب المواطنين، حيث ارتفعت أسعار السلع، وتآكلت المرتبات، وانهارت المدخرات، وقاربت الطبقة المتوسطة على الاختفاء.
إن التخفيض المتكرر لسعر صرف الدينار ليس علاجًا لأزمات الاقتصاد الليبي، بل هو مسكن مؤقت، يخفف الألم ولا يعالج الجرح، لأن الخلل الحقيقي الذي ينزف منه الاقتصاد الليبي ويقود في حالة استمراره إلى تفاقم الأزمة يكمن في جذور أعمق تتمثل في:
– كيفية إدارة وجباية الإيرادات النفطية عند المنبع، حيث تتسرب الثروة الوطنية قبل أن تصل إلى خزانة الدولة.
– الدين العام والإنفاق المنفلت بلا ميزانية معتمدة وبدون رقابة مما يعمل على خلق طلب متزايد على العملات الأجنبية ويسهم في تغذية التضخم.
– فقدان الثقة في كفاءة إدارة السياسات المالية والنقدية مما يدفع المواطنين والتجار إلى المضاربة والبحث عن ملاذات آمنه خارج الدينار.
وقد دخلت عدة دول قبلنا إلى هذا النفق الحلزوني ولم تخرج منه إلا بعد معاناة طويلة وها نحن نسير نحو نفس النفق إن لم نتدارك أنفسنا وندرك حجم الكارثة، أوقفوا النزيف أولًا.. نداء لحالة طوارئ وطنية، وأن التعامل مع الوضع الاقتصادي المتردي يجب أن ينطلق من إدراك أنه حالة طوارئ وطنية تتطلب تدخلًا عاجلًا على ثلاث مراحل:
أولًا وقف النزيف (الإسعاف العاجل)
يجب أن تبدأ المعالجة الفورية بوقف نزيف الموارد في جانبي المالية العامة (الإيرادات والنفقات) بشكل متزامن يتم فيه سد ثقوب الإيرادات وتحديدًا إيرادات النفط عبر حوكمة صارمة تمنع تسربها أو استخدامها عند المنبع قبل وصولها لحسابات الخزانة بالمصرف المركزي، وهنا يكمن جز الكباش الحقيقي بحماية المال العام من الفاسدين والمتلاعبين مع الضبط الفوري للنفقات وكبح التوسع الجامح في الدين العام، ووقف التمويل بالعجز دون سقف محدد، وضبط الخلل في منظومة الاعتمادات المستندية التي تستنزف الاحتياطي.
ثانيًا: مرحلة الإنعاش (استعادة الثقة)
تبدأ إجراءات استعادة الثقة بعد وقف النزيف من خلال توحيد السياسات المالية والنقدية والتجارية تحت رؤية واحده وتعزيز الشفافية وضبط سوق صرف واستخدام النقد الأجنبي.
ثالثًا: العلاج المستدام (بناء اقتصاد جديد)
وهنا يأتي دور تنويع مصادر الدخل وإصلاح نظم الدعم لتصل إلى مستحقيها وإصلاح القطاع العام وتحويل الاقتصاد من اقتصاد ريعي استهلاكي يعتمد على النفط إلى اقتصاد إنتاجي تنافسي يخلق فرص عمل حقيقية، أي إنه لا يمكن الحديث عن خطط تنموية أو مشاريع كبرى بينما يستمر الهدر ونزيف الموارد والتضخم يلتهم دخول المواطنين، البداية تتطلب إيقاف النزيف، فكل ما يجري الآن من تخفيضات لسعر الصرف وفرض الضرائب العشوائية ما هي إلا مسكنات قد تبطئ الانهيار، لكنها لن تحول دون حدوثه، إن كل هذه الإجراءات تتطلب إرادة سياسية صادقة وجادة وقدرة على ترجمة هذه الإرادة إلى خطط تنفيذية واضحة على أرض الواقع، وبينما ننتظر ولادة هذه الإرادة يستمر النزيف وتستمر الحملان في دفع الثمن، وتستمر الكباش في ملء كروشها وتنمية صوفها.
