مقالات الرأي

أين نحن.. في النظام العالمي الجديد؟

بقلم د. مصطفى الزائدي

قال وزير الخارجية الأمريكي روبيو، في قمة الأمن العالمي بميونخ، إن النظام العالمي القديم قد انتهى، وإنه يجري بناء نظام عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة من خلال “السلام بالقوة”، ما يعني إعلان وفاة منظمة الأمم المتحدة، وإنهاء مفعول القانون الدولي المتفق عليه بعدها، وموت حلف الناتو سريريًّا وسيصبح “شعار أمريكا أولًا” عنوانًا للعلاقات الدولية السياسية والتجارية وحتى العلمية.
ورغم اقتناعنا بأن ما يقوله روبيو ليس حقيقة مطلقة ولا قدرًا محتومًا، بل كلام مملوء بالتبجح والوهم، قدرة الإدارة الأمريكية على فهم وتحليل التطورات العالمية المتسارعة، والنمو المطرد للتكتلات الاقتصادية الجديدة، وتطور قدرات دول صغيرة على تصنيع أدوات حربية جديدة، وكذلك قدرتها المنفردة على بناء نظام جديد باستخدامها المفرط وغير المنضبط للقوة، كلها أمور فيها قولان.
لقد فشلت الولايات المتحدة في تحقيق توازن لصالحها ولصالح الكيان الصهيوني خلال معركة “طوفان الأقصى”، رغم استخدام كلِّ قوتها العسكرية والاستخباراتية في المعركة، لكن لم يستطيعوا حسمها في غزة، القطاع الصغير المكتظ بالسكان والمنهك من حصار شامل فرض عليه منذ عقود، وجرَّت أمريكا الكيان إلى حرب استمرت أكثر من سنتين نفذوا خلالها هجومًا وحشيًّا على مدار الساعة، وأجبروا على تقديم تنازلات كبيرة، بما في ذلك الاتفاق مع المقاومة في القطاع والإفراج عن آلاف الأسرى الفلسطينيين قبل قبول خطة متدرجة لإعادة ضبط الوضع في غزة.
كما فشلت الولايات المتحدة في حسم معركة مع فصيل “أنصار الله” في اليمن، وعلى العكس، خرج اليمنيون أكثر قوة وصلابة في موقفهم، واستمروا في قصف الكيان الصهيوني بالصواريخ فائقة السرعة دون رد.
كما فشلت في حرب الأيام الاثني عشر ضد إيران، حيث استخدمت كلَّ قوتها العسكرية والسياسية في محاولة لإسقاط الدولة الإيرانية، واضطرت بعد أكثر من ستة أشهر إلى العودة إلى وسائلها التقليدية في زعزعة الاستقرار من خلال تنظيم احتجاجات مبرمجة بواسطة عملائها في الداخل الإيراني، لكنها أيضًا فشلت في تحقيق أي شيء يذكر. وعادت إلى سياسة التهديد بخيار القوة للتعامل مع إيران، وإن كانت قد أجبرت على الدخول في مفاوضات جديدة تجري الآن حسب الاشتراطات الإيرانية.
العنجهية الأمريكية تحاول الاستفادة من العدوان على فنزويلا، حيث استخدمت الولايات المتحدة وسائل استخباراتية متطورة وقصفت بوحشية كاراكاس وعددًا من المدن الفنزويلية، ما أجبر الحكومة الفنزويلية على القبول بالشروط الأمريكية من أجل إبقاء فنزويلا خارج دائرة الحرب، التي شنت في أمريكا الجنوبية للمرة الأولى في تاريخها.
لكن القوة الأمريكية لم تختبر بشكل جاد مع القوى الكبرى، لا مع الصين ولا روسيا. وعلى العكس، يمكن القول إن ترامب، لسبب أو لآخر، قد رضخ لبوتين ويغازل شي، وحتى كيم جونغ أون!
السؤال، أين نحن كعرب ومسلمين بشكل عام، وكليبيين بشكل خاص، من هذه المعادلات الجديدة والتحديات المطروحة؟
من المؤكد أنه لا خلاف بيننا على أن ساحة الصراع الرئيسية التي تستهدفها الولايات المتحدة لفرض هيمنتها، بعد أمريكا الجنوبية وكندا وجرينلاند، هي الوطن العربي والعالم الإسلامي، بالنظر إلى أهميتها الاستراتيجية، ومواردها الهائلة من الطاقة، كما أن المنطقة لا تمتلك قوة ردع كافية تمكنها من التعامل مع هذا الصراع بشكل يحفظ وجودها، والأهم من كل ذلك وجود الكيان الصهيوني الذي زرعه الغرب لضمان استدامة نفوذه في منطقة تشهد صراعًا استراتيجيًّا وتاريخيًّا بين الغرب المسيحي-اليهودي والشرق الإسلامي والمسيحي الأرثوذكسي.
لقد عمل الغرب خلال العقود الماضية على التهيئة لهذا الوضع من خلال حملة حروب نفسية وغسيل دماغ ممنهج للأجيال الجديدة، لعزلها عن تاريخها المجيد وزرع المسكنة والمذلة في نفوسها، ودفعها إلى ترك نموذجها الحضاري الكبير، وإبهارها بالنموذج الغربي في الحياة، رغم ما يحتويه انحلال قيمي يهدد وجود البشرية على كوكب الأرض، حيث يتم اضطهاد الضعفاء والمقهورين، وتغيير القيم الاجتماعية، بتدمير محتواها الإنساني، واستبداله بأشكال حياة حيوانية ستجعل من وجود الإنسان مجرد شكل لا ضرورة له على الأرض، ومن الأمثلة على ذلك نشر المثلية والتزاوج مع الحيوانات والتشبه بها، وهي أمور مقززة لمجرد ذكرها، وتبين الأبعاد الخطيرة لنمط الحياة هذا المراد فرضه.
ورغم التقدير الكبير للتطورات العلمية والاكتشافات الجديدة، التي أسهمت في تسهيل حياة الناس، فإن جانبها السلبي أدى إلى تطور في آلات الحرب الموجهة لإبادة البشر، كالمسيرات من طائرات وزوارق ودبابات وحتى جنود آليين، ومعدات الحروب الجرثومية والكيميائية والنووية، والتوسع في تصنيع الإنسان الآلي وغيرها، وهذه الأدوات قد تسبب القضاء على البشرية.
نعود إلى السؤال: أين نحن من ذلك؟
مع شديد الأسف، نحن من أوائل البشر المهددين بالاختفاء، سواء بالقضاء علينا كأفراد أو بتشويه هويتنا لنتحول إلى مجرد أدوات لخدمة قلة فاسدة، والمثل الصارخ النموذج الذي تمثله “جزيرة جيفري إبستين” حيث يصبح الإنسان العادي من النساء والأطفال مجرد أدوات للمتعة للمترفين.
السؤال الأكثر بداهة هل نستطيع، رغم تأخر الوقت، أن ننتبه إلى ما يُحاك ضدنا؟
هذه ليست نظرية مؤامرة كما أوهمونا لعقود، بل هي فعلًا مؤامرة تنفذ في العلن، وليس في الخفاء، لدفعنا إلى الخضوع التام دون قيد أو شرط، خضوع يعني أننا لن نكون موجودين إلا كأدوات في شكل بشر ليس إلا!

زر الذهاب إلى الأعلى