مقالات الرأي

أكره السياسة… لكن قلبي ينزف باسم ليبيا


بقلم: جمانه محمد الرومي
في بيتنا، عند أول خطوة بعد الباب، كانت هناك صورة كبيرة.
لم تكن مجرد صورة… كانت وطنًا كاملًا معلّقًا على الجدار.
صورة القذافي رسمها أبي بيديه،
وكان البيت يعبق برائحة لا أعرف اسمها…
ربما كانت رائحة الأمان حين يكون الوطن بسيطًا مثل حضن.
في رمضان، كانت أمي تضع قلبها على المائدة:
شربة دافئة، مبطن، دولمة، بوريك، وجبة رئيسية وخبز…
وأبي يعود متعبًا، يحمل حلويات وابتسامة كأنه يحمل الدنيا لنا.
ننتظر الأذان…
الموسيقى الطويلة…
مدفع الإفطار ينطلق معلنًا نهاية يوم من أيام رمضان،
ثم تبدأ الحياة.
بسباسي… آه يا راسي…
ضحكات الشاي… قزقيزة… خدوجة… فتحي كحلول…
تفاصيل صغيرة… لكنها كانت وطنًا كاملًا.
لم أكن أفهم السياسة،
لكنني كنت أفهم الدفء.
وعندما كنت أسمع خطابات القذافي،
لم أكن أراه زعيمًا… بل صوتًا أبويًا في أذن طفلة.
أتذكر كلماته عن المرأة.
ربما لم أفهمها يومها…
كنا نتدرّب في المدرسة كيف نحمل الكلاشنكوف وكيف ندافع عن أنفسنا،
لكنه أراد للمرأة الليبية كرامة لا تعبًا،
قوة لا انكسارًا.
أنا لا أكتب اليوم لأدافع عن سياسي،
ولا لأصنع صورة بلا أخطاء…
فالرجال يخطئون، والتاريخ يحمل الضوء والظل.
لكن كلمة الحق… تبقى كلمة حق.
أنا أكتب عن شعور…
عن زمنٍ كان فيه الوطن دافئًا في قلبي.
ثم تغيّر كل شيء.
اليوم يسألني أطفالي:
كيف كانت ليبيا يا أمي؟
أسكت…
لأن الحنين حين يصرخ في الصدر يصبح الكلام موجعًا.
أعطيتهم صورة ممزقة:
خريطة… ووجه القذافي.
قلت لهم:
رتّبوا صورة القائد أولًا… ستعود الخريطة وطنًا وحدها.
جمعوا القطع…
وفي أعينهم رأيت ليبيا كما عرفها قلبي.
ليبيا التي لم تكن حربًا،
ولا خوفًا،
ولا وجوهًا قاسية كما الآن.
ليس لأن الناس وُلدوا قساة…
لكن لأن الألم حين يطول…
تنبت للروح أنياب.
رأيت في عيونهم ليبيا،
ليست ليبيا الحرب،
بل ليبيا التي سكنت قلبي:
وطنًا يشبه يد أمي،
صوت أبي،
ضحكات رمضان،
أغنية قديمة،
وقلبًا… كان آمنًا.
أنا لا أحب السياسة،
ولا أكتب عن حكّام،
أنا أكتب عن وطن…
لأن القذافي كان الوطن.
وطنٌ كلما حاولت نسيانه… بكيت.
عن زمنٍ شعرت فيه أن الوطن بيت،
ثم انكسر كل شيء.
رأيت وجوهًا لم أعرفها،
الخوف يمشي في الشوارع،
والقلوب لم تعد كما كانت.
وظلموني يا أبي ووطني… ولو كنت أنت ما ظلمت أحبابي.
ومع اقتراب رمضان،
ينحني قلبي وأرفعه دعاءً لليبيا،
لذلك الوطن الذي ما زال يسكنني وإن ابتعدت عنه،
ولتلك الشوارع التي حفظت خطواتنا يوم كنا نظن أن الدفء لا يرحل.
اللهم رحمةً ونورًا لمن غابوا وبقوا في القلب أحياء.
في هذا الشهر الكريم نرفع الدعاء رحمةً لكل من غابوا عن الدنيا وبقوا في القلوب،
لكل روحٍ عبرت وتركت خلفها حنينًا لا يهدأ،
ولكل بيتٍ عرف الفقد فصار الصبر رفيقه.
اللهم ارحم موتانا وموتى ليبيا جميعًا،
واغسلهم بنور رحمتك،
واجعل ذكراهم سلامًا في قلوب من أحبوهم،
وجبرًا لكل نفسٍ ما زالت تشتاق.
اللهم اجعل رمضان جسرًا من وجعٍ إلى طمأنينة،
ومن دمعةٍ إلى سكينة،
ومن غربةٍ إلى وطن.
رمضان كريم يا ليبيا…
يا وجعًا يسكن القلب،
ويا حبًا لا يشيخ،
ويا دعاءً لا ينقطع ما دام فينا نفس.
دعاءً لبلدي ليبيا، للأحياء الذين يقاومون،
وللراحلين الذين يسكنون الذاكرة،
وللأمهات اللواتي ما زلن يخبزن الصبر مع الخبز،
وللأطفال الذين يستحقون وطنًا آمنًا لا خوف فيه ولا فراق.
اللهم اجعل هذا الشهر رحمة على ليبيا،
نورًا في ليلها،
سكينة في قلوب أهلها،
وجبرًا لكل قلبٍ مكسور.
اللهم أطفئ نار الحزن، واشفِ الجراح،
وردّ الغائبين، وارحم من رحلوا،
واكتب لليبيا فجرًا جديدًا لا دموع فيه ولا وداع.
رمضان كريم على وطني…
وعلى كل قلبٍ ما زال يؤمن أن بعد العتمة نور،
وأن الله لا ينسى أحدًا.

زر الذهاب إلى الأعلى