نتنياهو والتصريحات الفاشية: خطاب الحرب المفتوحة

بقلم/ محمد علوش
لم تكن التصريحات الأخيرة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حدثًا عابرًا في سياق الخطاب السياسي الإسرائيلي، بل جاءت إعلانًا فاقعًا عن طبيعة المرحلة المقبلة؛ مرحلة تقوم على الفاشية الصريحة، وإنهاء أي معنى للسياسة، واستبدالها بمنطق الحرب الدائمة، فما قاله نتنياهو لا يندرج في إطار التهديدات للاستهلاك الداخلي، بل يشكِّل صياغة واضحة لبرنامج عدواني يستهدف الفلسطينيين، ويهدد أمن واستقرار المنطقة برمَّتها.
يقوم خطاب نتنياهو على معادلة واحدة لا تقبل التأويل، القوة أولًا، وما عداها لا قيمة له، فهو يربط أي مسار سياسي محتمل بنزع سلاح الفلسطينيين، لا باعتباره إجراءً أمنيًّا مؤقتًا، بل شرط استسلام كامل، يُفرَض إما عبر الخضوع، أو من خلال العودة إلى حرب الإبادة الجماعية، وبهذا المعنى، لا تعبِّر هذه التصريحات عن موقف تفاوضي، بل عن ذهنية إقصائية ترى في الوجود الفلسطيني، من حيث هو، عقبة يجب كسرها أو إزالتها.
الأخطر في هذا الخطاب أنه ينقل الفشل العسكري الإسرائيلي إلى مستوى التهديد الجماعي، فبعد أشهر طويلة من العدوان، لم ينجح جيش الاحتلال في تحقيق أهدافه المعلنة، الأمر الذي يدفع نتنياهو إلى إعادة إنتاج هذا الفشل في صورة خطاب انتقامي، يلوِّح فيه باستئناف القتل والتدمير على نطاق أوسع، وحين يعترف، ولو بصورة ملتوية، بعجز جيشه، فإنه لا يفعل ذلك من باب مراجعة السياسات، بل طلبًا لمزيد من أدوات القتل، ومزيد من التفويض السياسي لارتكاب الجرائم المرِّوعة.
وفي هذا السياق، تأتي محاولة نتنياهو تحميل الإدارات الأمريكية السابقة مسؤولية الإخفاق، بذريعة نقص السلاح والذخيرة، مثالًا فاضحًا على العقلية الفاشية التي لا ترى في الحرب سوى مسألة تقنية، فالمشكلة، وفق منطقه، ليست في قتل المدنيين أو تدمير المدن، بل في أن القتل لم يكن كافيًا بعد، وأن التدمير يحتاج إلى وسائل أشد فتكًا، وهذا المنطق يلغي أي اعتبار أخلاقي أو قانوني، ويحوِّل الإبادة الجماعية وقتل المدنيين العزل إلى «خيار سياسي».
ولا تتوقف هذه التصريحات الفاشية عند حدود غزة، بل تمتد لتشمل التهديد الصريح بإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة ككل، فحديث نتنياهو عن البقاء العسكري الدائم، ورفض الانسحاب، والتعامل مع المعابر بوصفها أدوات ضغط لا ممرات إنسانية، يكشف عن تصور شامل لإدارة الصراع عبر الحصار والتجويع والتهجير القسري، فالمعبر، في هذا الخطاب، لا يفتح لإنقاذ حياة، بل لتنظيم حركة الخروج، ودفع الناس إلى الرحيل تحت وطأة الجوع والخوف والبحث عن النجاة بأي طريقة ممكنة.
كما أن الربط المتكرر بين هذه السياسات ومشاريع «إسرائيل من البحر إلى النهر» يضع التصريحات في إطارها الحقيقي، إطار مشروع توسعي لا يعترف بحدود، ولا بحقوق، ولا بوجود شعب آخر، وهو ما يجعل ما يقال اليوم بالغ الخطورة، لأنه لا يترك مجالًا لسوء الفهم أو التأويل، بل يعلن صراحة أن الحرب ليست وسيلة مؤقتة، بل أداة حكم دائمة.
إن الفاشية، في جوهرها، ليست مجرد قمع وعنف، بل خطاب يجرِّد الضحية من إنسانيتها، ويحوِّلها إلى هدف مشروع، وهذا بالضبط ما تعكسه تصريحات نتنياهو، حين تختزل حياة ملايين الفلسطينيين في معادلة أمنية، ويقدِّم تدميرهم بوصفه ضرورة وجودية لدولة الاحتلال، وإن التعامل مع هذا الخطاب بوصفه مجرد ضغط تفاوضي، أو محاولة للهروب من أزمة داخلية، يعد تقليلًا خطيرًا من حجمه، فالكلمات هنا ليست زائدة عن الفعل، بل تمهيد مباشر له، وما يقال اليوم يترجم غدًا، إذا لم يواجَه بوضوح سياسي وإرادة فلسطينية واعية لطبيعة المرحلة، مزيدًا من الدم والخراب.
تصريحات نتنياهو الفاشية تكشف عن مشروع لا يسعى إلى تسوية، ولا يعترف بالحقوق، ولا يرى في الفلسطيني سوى عقبة يجب سحقها، وهي لغة حرب مفتوحة تلغي السياسة وتقطع الطريق أمام أي أفق سياسي، وتضع المنطقة بأسرها أمام مفترق بالغ الخطورة، فإما كبح هذا المنطق الفاشي والعدواني، أو الانزلاق نحو انفجار أوسع لا يمكن التحكم بنتائجه.
