مقالات الرأي

الصحة والعافية والرفاه بين التمنيات والواقع المرير

د.علي المبروك أبوقرين


الصحة والعافية والرفاه هي ما تنشده المجتمعات وتتمناه، لكنها تظل حلمًا بعيد المنال حين يكون النظام الصحي منهارًا والإدارة عاجزة، والخدمات شبه معدومة، والوعي الصحي ضعيفًا، والاقتصاد يٌغرق الأسواق بالأغذية المصنعة والفائقة التصنيع والزيوت المهدرجة والمواد المحسنة غير الصحية، وتصبح المنافذ ناقلًا لكل ما يضر بالصحة والبيئة، بينما تُفتح الاعتمادات بالمليارات لاستيراد سلع ضارة، ومبيدات كيميائية، وأدوية مغشوشة ومزورة، والزراعة لا تتقيد بالشروط الصحية والبيئية، والسياسات الصحية غائبة، والتشريعات والقوانين غير مطبقة، فتُشخص الأمراض متأخرًا، والأدوية مفقودة أو مغشوشة، ويصبح الإنسان تحت رحمة نظام صحي فوضوي يفتقر للحوكمة والرقابة والشفافية، ويغيب فيه التخطيط الاستراتيجي الشامل، لتتحول الصحة من حق أصيل إلى امتياز محدود، ويضيع مستقبل المجتمع والأجيال . والفجوة بين ما تتمناه المجتمعات من صحة وعافية ورفاه وما يعيشه الواقع تزداد اتساع وتعقيد عام بعد عام، إذ تتزايد الأمراض تنوعا وخطورة واستفحالًا وانتشارًا، ويصبح كل مرض أزمة منفصلة مرتبطة بالأخرى، وتزداد معدلات الأمراض المزمنة والحادة على حد سواء، بينما تتراجع قدرات النظام الصحي على الاستجابة، ويستمر نقص الكوادر المؤهلة، ويزداد ضعف التعليم الطبي والتدريب السريري، ويصبح التشخيص متأخرًا، والعلاج معقدًا، والأدوية مفقودة أو مغشوشة، والتكلفة النفسية والمالية للمواطنين هائلة. ويضاف إلى ذلك التدهور البيئي الناتج عن سوء إدارة الموارد، وانتشار التلوث، واستنزاف الأراضي الزراعية، وانتشار المبيدات والمواد الكيميائية الضارة، ما يزيد من خطورة الأمراض ويؤثر على جودة الغذاء والماء والهواء، ويضع المجتمع أمام تهديد مزدوج: أوبئة مستمرة وتدهور بيئي مستدام. كما أن تدهور الاقتصاد وتوسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء يزيد من محدودية الوصول إلى الغذاء الصحي والخدمات الطبية، ويترك السواد الأعظم أمام خيارات محدودة تقودهم نحو الفقر المرضي المستفحل. وفي التعليم، يزداد الانفصال بين ما يُدرس وبين ما يحتاجه الواقع، ويتراجع الاستثمار في البحث الطبي والتدريب العملي، ليصبح التأهيل العلمي والمهني غير كافٍ لمواجهة تحديات صحة المجتمع، ويزداد الاعتماد على سوق خاص غير منضبط في التعليم الطبي والخدمات الصحية، ما يفاقم مشاكل الجودة والكفاءة ويجعل المرض والموت أكثر شيوعًا بين الفئات غير القادرة. هكذا تتشابك الأزمات الصحية والاقتصادية والبيئية والتعليمية لتصبح نظامًا فوضويًا كاملًا يقود المجتمع إلى حالة من الانكسار المزمن، حيث يصبح الحفاظ على الصحة والعافية والرفاه حلمًا بعيد المنال، ويزداد الخطر بشكل مضاعف، ويصبح كل تأخر في التشخيص أو ضعف في النظام الصحي أو خلل في البيئة أو نقص في التعليم خطوة إضافية نحو كارثة جماعية، لا يمكن لأي فرد أن يواجهها بمفرده، ويصبح السؤال الأخلاقي العميق إلى متى سيظل المجتمع يدفع ثمن هذا الإهمال؟ وإلى متى سيبقى النظام الصحي في خبر كان

زر الذهاب إلى الأعلى