في ظلال الخيمة تنام الأغنية وتسيقظ المدينة

يكتبها الأستاذ محمود أمجبر
في كل مرة نعود فيها إلى النجع ورفاقة عمر الخيمة، نكتشف أن هذا الفضاء البدوي الليبي ليس مجرد مشهد تراثي، بل هو جزء أصيل من هويتنا الثقافية والإجتماعية . هناك، في تفاصيل الخيمة والنجع ، يسكن تاريخ طويل نعتز به ونحمله معنا أينما ذهبنا.
لكن الهوية الليبية لا تُختزل في لون واحد ولا تُحصر في نمط واحد من الذاكرة. فامتداد تراثنا الشعبي واسع، متنوع، ومتجذر في كل رقعة من البلاد. من المرزكاوية الي الجبلية الجبل الأخضر، وجبل الغربي من مزمار درنة إلى إيقاع الفزاني وطبل هون وسوكنه وودان … كلها أصوات صنعت وجداننا الجمعي، وكلها تحمل القيمة نفسها مهما أختلفت البيئات واللهجات.
وفي بنغازي، حيث تختلط المدينة بالريف وتتشابك الحكايات ، برزت الأغنية المرزكاوية الشعبية كأحد أهم ملامح الذاكرة الشعبية. هناك، في جلسات السمر وفي الأفراح وفي المقاهي القديمة، صعدت أصوات صنعت جزءًا مهمًا من المزاج الموسيقي للمدينة. من بينهم المرحوم عبدالجليل عبدالقادر، بصوته العميق ، وجمال عاشور الذي أضاف للمرزكاوية نبرة خاصة . وإلى جانبهما برزت أسماء كثيرة أسهمت في ترسيخ هذا اللون في وجدان بنغازي: علي بوخشيم، سالم بن زابية، يوسف العالم، عوض المالطي، محمد بودبوس، فرج الشريف، سالم بن عمران، علي الشعالية، عبدالسلام بن زابية، علي القزيري، فتحي بن موسى، سالم الورفلي، علي بن صويد، فرج المسماري، عبدالرحمن السعيطي، مفتاح بوشعالة، علي بوخريص، إضافة إلى فرق ومجموعات شعبية مثل أولاد بنغازي وشباب البركة والهواري، وكلها كانت جزءًا من نبض المدينة وإيقاعها اليومي.
ولعل من الإنصاف التذكير بأن الاهتمام الرسمي بالتراث لم يكن محصورًا في أغاني الخيمة والنجع كما يعتقد البعض، بل شمل أيضًا الأغنية الطرابلسية التي برزت وانتشرت، وسمعناها تتجاور مع الأغاني التراثية دون أن تطغى عليها. فطرابلس نفسها أنجبت أصواتًا وشعراء تركوا بصمتهم في الذاكرة الليبية: أحمد الحريري، ابن قلب المدينة، وعبد اللطيف حويل، ومصطفى حمزة، ومحمد الجزيري، وسلام قدري، ومحمود أكريم… وغيرهم كثيرون ممن خرجوا من “قعر قعر” طرابلس ليصبحوا جزءًا من المشهد الفني الوطني.
إن تراثنا الليبي ليس جزيرة منفصلة، بل فسيفساء واسعة تتكامل فيها الخيمة مع المدينة، والبادية مع الساحل، والجبل مع الصحراء. وكل هذا الإمتزاج هو ما يجعلنا نعتز ونفتخر بما نحن عليه اليوم.
محمود_أمجبر
الاثنبن
2025.1.26
