مقالات الرأي

هل الغذاء الذي نأكله هو المرض الذي نعالجه


حين يصبح الغذاء خطر لا يعود المرض حدث طارئ بل نتيجة حتمية لمسار يومي خاطئ يتكرر في البيوت وفي الأسواق وفي الإعلانات وفي السياسات الغائبة . وما نعيشه اليوم من انفجار في الأمراض المزمنة ، واضطرابات المناعة والسرطانات ليس لغز طبي ولا عقاب قدري بل حصيلة مباشرة لسلوك غذائي منحرف جرى تطبيعه اجتماعيا وتسويقه تجاريا وتجاهله صحيا ، والغذاء الحديث لم يعد مجرد طعام بل صناعة ضخمة تحكمها الأرباح وليس الصحة . والأغذية المصنعة وفائقة التصنيع والوجبات السريعة والمشروبات السكرية والمحسنات والملونات والدهون المتحولة والسكريات المخفية والصوديوم المرتفع كلها تدخل أجساد الناس يوميا تحت مسمى سريع ولذيذ واقتصادي ، بينما هي في الحقيقة قنابل بطيئة الانفجار . والأخطر من ذلك أن هذه المنتجات لا تُفرض بالقوة بل تُغلف بالإعلان وتُقدم كرمز للحداثة والرفاه والمتعة والنجاح حتى أصبح السلوك الغذائي غير الصحي هو القاعدة والغذاء السليم استثناءً ومكلف أو نخبوي ، والدعاية الغذائية اليوم أقوى من أي رسالة صحية ، إعلانات تستهدف الأطفال قبل الكبار وتربط السكر بالسعادة والوجبات السريعة بالمتعة العائلية ، والمشروبات الغازية بالنجاح الاجتماعي . بلا تحذير ولا توعية ولا توازن . وفي غياب ضوابط إعلامية وتشريعية تتحول الإعلانات إلى أداة تطبيع للمرض وتصبح الأمية الصحية بيئة مثالية لتكاثر العادات القاتلة . ويتشكل السلوك الغذائي الخاطئ منذ الطفولة ويترسخ في المدارس ويتعزز في البيوت ويُكافأ اجتماعيا. ولا توجد ثقافة قراءة الملصقات الغذائية ولا وعي بالمكونات ولا فهم للعلاقة بين ما نأكله وما نُصاب به بعد سنوات . ويُستهلك الغذاء بلا سؤال ثم يُفاجأ الناس بالمرض وكأنه جاء من فراغ ، وحين ننتقل من الغذاء إلى الزراعة تتضح الصورة أكثر قتامة . زراعة بلا معايير صحية ، واستخدام مفرط وعشوائي للمبيدات والأسمدة الكيميائية، وغياب الزراعة العضوية وري بمياه ملوثة، وحصاد غير ناضج، وتخزين سيئ ونقل غير مبرد وعرض عشوائي في الأسواق. والغذاء لا يُنتَج ليكون صحي بل ليكون وفير ورخيص وسريع الدوران. وهنا لا يعود الحديث عن جودة غذاء بل عن سلسلة أخطاء تبدأ من التربة وتنتهي في جسم الإنسان . أما الثروة الحيوانية فهي فصل آخر من الخطر الصامت ، أمراض منتشرة في الدواجن والأغنام والأبقار والإبل واستخدام غير منضبط للمضادات الحيوية والهرمونات وغياب التتبع البيطري الحقيقي وضعف الفحص قبل الذبح وبعده، واستيراد لحوم حية ومدبوحة دون شفافية كاملة في المصدر أو شروط النقل والتبريد والتخزين والعرض. كل ذلك يجعل البروتين الحيواني الذي يفترض أن يكون عنصر قوة غذائية مصدر تهديد صحي حقيقي . في هذه البيئة لا يكون المرض استثناءً بل قاعدة. وداء السكري يتفشى، والسمنة تتضخم وأمراض القلب تضرب في سن مبكرة ، والسرطانات ترتفع معدلاتها ، واضطرابات الجهاز الهضمي والمناعي تتكاثر. ثم نصل إلى المفارقة الكبرى نُنتج المرض يوميا ثم نُنهك نظام صحي عاجز عن التعامل مع نتائجه. والنظام الصحي الليبي لا يعاني فقط من نقص موارد بل من غياب الرؤية. لايوجد ملف صحي موحد ولا تتبع للأمراض، ولا ربط بين الغذاء والمرض، ولاتوجد إحصاءات دقيقة، والمستشفيات تتحول إلى محطات إسعاف دائمة لأمراض كان يمكن منعها. والأطباء يعالجون النتائج وليس الأسباب، والمرضى يدورون في حلقة مفرغة بين العام والخاص، وبين الداخل والخارج بلا سجل وبلا تقييم وبلا محاسبة للمنظومة التي أنتجت المرض. والقطاع الخاص يضاعف الأزمة بدل أن يحلها، في غياب تنظيم صارم ومع غياب الربط بالملف الصحي الوطني الغير موجود . والمريض الواحد يتحول إلى عشرات المرضى في الإحصاءات، والحالات تُكرر والتكاليف تتضاعف، والنتائج الصحية تظل مجهولة. رحلة علاج قاسية ومكلفة ومرهقة وبلا ضمان حقيقي للشفاء أو التحسن. في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن طب استباقي ووقائي وهرم غذائي جديد، وصحة قائمة على نمط الحياة، وذكاء اصطناعي يتنبأ بالمرض قبل حدوثه، لا نزال نُدير صحتنا بردّ الفعل ونُراكم المرض ثم نلوم الأطباء والمستشفيات. والحقيقة المؤلمة أن النظام الصحي لا يمكن أن يكون أقوى من النظام الغذائي الذي يسبقه. ولا يمكن لعلاج أن ينتصر على سوق غذائي فاسد، ولا لطبيب أن ينجح في بيئة تُنتج المرض بالجملة، ولا لمستشفى أن يصمد أمام وباء سلوكي يومي اسمه الغذاء غير الصحي. والإصلاح هنا ضرورة وجودية. يبدأ من الاعتراف بأن الغذاء سياسة صحية، وأن الإعلان الغذائي قضية أخلاقية، وأن الزراعة ملف صحة عامة، وأن الوقاية أوفر وأشرف من العلاج، وأن النظام الصحي دون بيانات وتكامل مجرد إسعاف دائم لانهيار متواصل. ما نحتاجه ليس نصائح موسمية بل تحول جذري في التفكير. ونحتاج ثقافة غذائية وتشريع حازم ورقابة صارمة وتعليم صحي من الطفولة، وربط الغذاء بالصحة، ومساءلة حقيقية لكل من يتلاعب بقوت الناس وصحتهم . وحين يتحول الغذاء إلى خطر صامت يصبح المرض لغة المجتمع ويصبح الصمت جريمة. وحين نمتلك الشجاعة لكسر هذه الدائرة عندها يمكن أن نتحدث عن نظام صحي وليس عن إدارة أزمات.
د.علي المبروك أبوقرين

زر الذهاب إلى الأعلى