مقالات الرأي

فنزويلا 2026 بين السقوط والإسقاط في المستنقع الإمبريالي!! النسخة المطورة من ليبيا 2011!!


جمال الجازوي


كانت الزيارة التاريخية للزعيم معمر القذافي الى الأمم المتحدة ثم مباشرة إلى فنزويلا عام 2009 هي بداية العد التنازلي لتنفيذ المؤامرة الإمبريالية للإيقاع بالرجل ثم حلفاؤه على التوالي بما عرف لاحقًا بالحلقة الثانية، ومكانها جنوب الأطلسي. أقصد هنا مهد الثورة في أمريكا اللاتينية.
كانت زيارة معمر القذافي تهدف قبل كل شيء لبناء تحالف إستراتيجي -جنوب جنوب- أي أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأطلق عليه “ساتو” كخطوة احترازية في مواجهة المخطط الذي تنبأ به وشاطره فيه الزعيم تشافيز للإطاحة بالأنظمة الثورية المناهضة لقوى الإمبريالية والاستكبار!
لكن الضربة كانت سباقة للإطاحة بقائد الثورة العالمية في ليبيا إيذانا بوأد كل صوت معارض للهيمنة في بقية البقاع.. أو بالأحرى ضربها استباقيًّا في ليبيا!
ما حدث في فنزويلا يوم 3 يناير 2026 يختلف عما حدث في ليبيا في فبراير 2011، وإن كان الهدف واحدًا.. غير أن العدو في هجومه على ليبيا استجمع أكثر من أربعين دولة لشن عدوان عسكري شامل ومباغت بمساعدة عملائه بالداخل والذي قاومه الليبيون الشرفاء لمدة 8 أشهر بمنتهى الشجاعة والصمود انتهى باستشهاد القائد معمر القذافي.
لكن على ما يبدو أن العدوان في محطته الثانية بفنزويلا استفاد من التجربة الليبية، فكان تنفيذه للمؤامرة مختلفًا تمامًا، ولم يستغرق في تنفيذها غير بضع ساعات انتهى معها كل شيء بالقبض على الرئيس مادورو في غرفة نومه!!!
خيوط المؤامرة
يبدو أن الإمبريالية استضعفت نظام الرئيس مادورو من خلال اختراقها له عن طريق عملائها في الصفوف الأولى.. ورأت أن مادورو ليس كسلفه هوغو تشافيز الذي كان ندًا للإمبريالية ومجاهرًا لتحديها ومنازلتها، غير أنها أي “اليانكي” بلغة أحرار فنزويلا لم تجرؤ على منازلته، وآثرت مشاكسته من آن لآخر.. فمثلما مزق معمر القذافي الميثاق في قلب الأمم المتحدة، تمامًا مثلما هاجم تشافيز الرئيس بوش في نفس المكان قائلا: فليخرج الشيطان من هنا!!
المواقف واحدة، لكن آليات التنفيذ تغيرت
هذه المرة الهدف في فنزويلا هو النفط لا غير. فالنفط يحتاج أكثر من شهر ليصل من الخليج مثلًا إلى الموانئ الأمريكية، بينما يستغرق ثلاثة أيام فقط ليصل إليها من فنزويلا التي تتربع على أكبر احتياطي عالمي وعلى بعد كيلو مترات قليلة من أمريكا!!
التنفيذ
في فجر الثالث من يناير شنت قوات ترامب أكبر هجوم لها بأكثر من 200 طائرة في عملية مفاجئة ومزودة بأكثر الأنظمة السيبرانية تعقيدًا ومصحوبة بهجمات صاروخية على عدة أهداف وقواعد عسكرية لتشتيت الدفاع الفنزويلي المشتت أصلًا بفعل التواطؤ والاختراق!
مادورو كان دائم التحذير من الخونة والجواسيس، ولا تكاد تخلو خطاباته من التنبيه والحذر منهم، وكأنه كان يتنبأ بنهايته على أيديهم، فكان يستخدم في صفوف الحراسة الأولى عناصر من كوبا أكفاء في التدريب والحس الأمني والاستخباري، وكأنه كان يعلم أن الخيانة ستحدث في صفوفه الأولى من مواطنيه، وهذا ما حدث بالفعل!
ففي لحظة الهجوم اختفى فصيل الحراسة الفنزويلي وآمره ما سهل وصول المهاجمين إلى الهدف بسهولة، ولم يقاوم إلا الكوبيون الذين واجهوهم ببسالة وكانوا أيضًا ضحية الخيانة، وسقط منهم عدد كبير مقابل إصابتين أو ثلاثة في العناصر الفنزويلية!!
واختطف الرئيس أو تم تسليمه! لا فرق في الآلية التي قدمت نصرًا مجانيًّا لترامب ما كان ليحققه لولا تواطؤ داخلي وفقًا لمصادر أمريكية، حيث لم تطلق طلقة رصاص واحدة من الجيش الفنزويلي الذي يُفترض أنه كان في أقصى درجات الطوارئ والاستعداد!!؟
مثلث الخيانة
لكني أعتقد جازمًا أن الغافل الوحيد عن هذه العملية هو الشعب الفنزويلي والرئيس الفنزويلي.. فالرئيس تفاجأ بقوة تعتقله في غرفة نومه، والشعب تفاجأ باختطاف رئيسه الشرعي وصمت قواته المسلحة التي سكتت أو أُسكِتت عن التعامل مع هذا الاختراق!
وتشير أصابع الاتهام إلى سيناريو من ثلاث أو كلها معًا.. وهي:

1. إما صفقة تحت الطاولة يتم بها تسليم الرئيس وانتهاء كل مظاهر المواجهة.

2. خيانة الصف الأول للرئيس ممثلًا في وزير الدفاع ورئيس الحرس.

3. شل القدرة الدفاعية للجيش الفنزويلي بموافقة الروس مصدر تسليحه في صفقة افتراضية أساسها مادورو مقابل أوكرانيا!! أو الصمت الصيني مقابل ما يريده في تايوان!


بعد هذه العملية السريعة والمفاجئة يصرح ترامب أنه قبض على رأس النظام في فنزويلا ويستعرضه بطريقة مذلة في شوارع بلاده ويقول بكل وقاحة: إنهم من عشرات السنين بحاجة إلى تنفيذه. *عقيدة الرئيس الأمريكي الأسبق مونرو عام 1823* ” والتي تعني “السيطرة على أمريكا اللاتينية واعتبارها كومنولث أمريكي” أو ما عُرف بـ”الحديقة الخلفية للبيت الأبيض”!!
السطو الأمريكي يؤتي أكله
هذا على ما يبدو.. فبعد إتمام المهمة قال ترامب إنه “يدير” الآن فنزويلا، وأن أكثر من 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي في طريقه إلينا.. فقد استعدنا ما سُرق منا في السابق!!
رغم أن ترامب نفسه يعلم قبل غيره أنه السارق الحقيقي وان الشعوب المقهورة هي المسروق!!

– الحكومة الفنزويلية من جانبها بادرت بتطمين الشعب الثائر أن العدوان قد انتهى، وباشرت في ترتيب البيت الداخلي والانتقال “السلس” للسلطة إلى نائبة الرئيس ديلسي رودريغز التي كان يمكن لها تصريف شؤون البلاد دستوريًّا من موقعها نائبًا للرئيس لا تولي منصبه وإن كان بالوكالة!؟ كما تم تمكين شقيقها خورخي رودريغز من رئاسة الجمعية الوطنية “البرلمان”، وما كان الأمر يحتاج إلى هذا الانتقال السريع للسلطة لولا مباركة ترامب لهذه الخطوة بعد أن قطع الطريق على المعارضة الحليفة لأمريكا قائلًا إنهم ليسوا مؤهلين ولا مقبولين من الشعب الفنزويلي!!


وصرحت الرئيسة المؤقتة بأن أولوياتها هي التهدئة مع الولايات المتحدة والمطالبة باسترجاع الرئيس المختطف!!!
وها هي تعلن أنها تلقت دعوة من الرئيس ترامب لزيارة واشنطن غدًا الثلاثاء 12 يناير لمناقشة المستجدات والعودة الى علاقات طبيعية!؟
ما بعد الصدمة!
حرصًا على ماء الوجه أعلنت السلطات الفنزويلية لاحقًا إقالة الجنرال خافير ماركانو تاباتا آمر الحرس الرئاسي للاشتباه في تورطه.. وما يثير الدهشة هنا ويعزز الشكوك هو “إقالة فقط” لا اعتقال!
واختُطف الرئيس أو تم تسليمه.. لا فرق في الآلية التي قدمت في مجملها نصرًا مجانيًّا لترامب ما كان ليحققه لولا تواطؤ داخلي وفقا لمصادر صحفية أمريكية حيث لم تطلق طلقة رصاص واحدة من الجيش الفنزويلي الذي يُفترض أنه كان في أقصى درجات الطوارئ والاستعداد!!
والمتأمل لما سردنا من أحداث سيتطرق إلى ذهنه أن الغافل الوحيد عن هذه العملية هو الشعب الفنزويلي والرئيس الفنزويلي الذي تفاجأ بقوة تعتقله في غرفة نومه دون أدنى مقاومة والشعب المغيب تفاجأ باختطاف رئيسه الشرعي وصمت قواته المسلحة بشكل مريب!!
تبعات إسقاط مادورو
كما ذكرت بدأت العلاقات تأخذ مسارًا طبيعيًّا وإن كان على استحياء رغم استمرار المظاهرات والاحتجاجات في الشارع الفنزويلي ومدن أمريكا اللاتينية، بل ومدن العالم أجمع استنكارًا للفعل الأمريكي المرفوض وإعلان الموت الحقيقي للقانون الدولي بفعل قانون القوة!!
فمن جانبها طالت التهديدات الأمريكية الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو الذي على ما يبدو نالت منه التهديدات فبادر بالتواصل هاتفيًّا مع ترامب للتهدئة والاتفاق على برمجة زيارة قريبة له في نفس الإطار!!
أما كوبا الجريحة بفقد أبنائها حراس مادورو فأصبحت في وضع لا تحسد عليه من تزايد التحرش والتهديد الترامبي لهذه الجزيرة المحاصرة أصلًا والتي كانت تمثل قلعة الصمود ورموزه جيفارا
وكاسترو!!
فهل ينتهي الأمر عند هذا الحد أم أن المنطقة برمتها مقبلة على تسونامي كبير وفقًا لترتيبات واشنطن بدأ في ليبيا وما زالت تبعاته تتوالى ولن تقف عند حدود فنزويلا؟!

زر الذهاب إلى الأعلى