سقوط القانون وصعود منطق القوة

فرج بوخروبة
منذ أن تشكَّل النظام الدولي الحديث، ظلّت الدول الكبرى تمارس نفوذًا يتجاوز حدودها الطبيعية، متكئة على قوتها العسكرية والاقتصادية والإعلامية، حتى تحوّل هذا النفوذ إلى تغوّل وغطرسة لا تخفى على أحد. فالقوانين والتشريعات والأعراف الدولية التي وُجدت لتكون ضابطًا للعلاقات بين الدول، كثيرًا ما تُختزل في أدوات شكلية، بينما تُفرض الإرادة بالقوة على الدول الأصغر أو الخارجة عن الطاعة. وهكذا يصبح القانون الدولي مجرد واجهة، بينما الحقيقة هي أن منطق القوة هو الذي يحكم العالم.
لقد اعتادت القوى الكبرى أن تتجاوز قرارات الأمم المتحدة أو تفسّرها بما يخدم مصالحها، مستخدمة مفاهيم مثل “الأمن القومي” أو “الحفاظ على الاستقرار العالمي” كغطاء لتدخلاتها العسكرية والاقتصادية. الأعراف الدولية التي تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل تتحول إلى شعارات فارغة أمام نزعة الهيمنة، حيث يُحتكر القرار العالمي وتُفرض نماذج سياسية واقتصادية وثقافية واحدة على الجميع، وكأن العالم لا يحق له أن يختار إلا ما تراه القوى العظمى مناسبًا.
النموذج الأمريكي يكشف بوضوح هذه العقلية الإمبراطورية. ففي ديسمبر 1989، أطلقت واشنطن عملية عسكرية ضخمة عُرفت باسم “القضية العادلة”، حيث أرسلت أكثر من 27 ألف جندي لغزو بنما، وأسقطت حكم الجنرال مانويل نورييغا، ثم اعتقلته ونقلته إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم تتعلق بالمخدرات. لم يكن الأمر مجرد تدخل عسكري، بل كان اختراقًا صارخًا لسيادة دولة مستقلة وخطفًا لرئيسها، في مشهد يفضح الغطرسة الأمريكية واحتقارها للقانون الدولي.
وفي السنوات الأخيرة، برزت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي جسّدت تهورًا غير مسبوق في السياسة الخارجية. فقد أعلن في أكثر من مناسبة عن رغبته في ضم كندا وجعلها الولاية الأمريكية رقم 51، واعتبر الحدود بين البلدين “خطًا مصطنعًا”، بل وصف رئيس وزراء كندا بأنه مجرد “حاكم” تابع للولايات المتحدة. لم يتوقف الأمر عند كندا، بل امتد إلى غرينلاند التي حاول شراءها من الدنمارك عام 2019، وأثار أزمة دبلوماسية حين وصف رفض كوبنهاغن العرض بأنه “سخيف”، معتبرًا أن الجزيرة يجب أن تكون تحت السيطرة الأمريكية. كما تحدث ترامب عن ضرورة استعادة السيطرة على قناة بنما، وطرح أفكارًا تتعلق بضم جزر برتغالية في الأطلسي، في نزعة توسعية تعكس عقلية إمبراطورية لا ترى في العالم سوى مجال مفتوح للابتلاع والسيطرة.
هذه التصريحات لم تكن مجرد نزوات سياسية، بل تكشف عقلية ترى العالم ملكًا لها، وتتعامل مع الدول الأخرى كأقاليم قابلة للضم أو السيطرة، في تجاهل تام للقوانين والأعراف الدولية. وهي امتداد لنهج أمريكي طويل يقوم على تأديب الخارجين عن الطاعة، سواء عبر العقوبات الاقتصادية التي تخنق الشعوب، أو عبر التدخل العسكري المباشر الذي يطيح بأنظمة ويزرع الفوضى.
ولم تكن فرنسا بعيدة عن هذا النهج، فهي الأخرى مارست سياسات اختراق سيادة الدول الإفريقية على وجه الخصوص، تحت ذرائع واهية لا يقرها المنطق. من عمليات التدخل العسكري في مالي والنيجر، إلى دعم أنظمة موالية لها أو إزاحة أخرى لا تخدم مصالحها، ظلّت باريس تتعامل مع القارة الإفريقية وكأنها امتداد طبيعي لمجالها الحيوي. بل إن التاريخ الحديث يسجل وقائع صادمة لعمليات دعم انقلابات أو الضغط لإزاحة رؤساء دول أفريقية بغطاء قانوني زائف، في مشهد يفضح الغطرسة والصفاقة التي تتعامل بها القوى الاستعمارية السابقة مع شعوب لم تنل بعد استقلالًا كاملًا في واقع الأمر.
هذه الممارسات تكشف أن مبدأ القوة هو الأداة المفضلة لتثبيت الهيمنة، لا الحوار ولا القانون الدولي. فحين تُختطفإرادة الشعوب، ويُخطف رؤساؤها أو يُزاحون بقرارات خارجية، يصبح العالم ساحة مفتوحة للهيمنة لا للعدالة. الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما من القوى الكبرى لم تتردد في تجاوز قواعد وقوانين العالم بأسره، وكأنها فوق القانون، وكأن الشرعية الدولية مجرد ديكور يُستخدم حين يخدم مصالحها ويُهمل حين يتعارض معها.
إن الأمثلة على هذا التغوّل كثيرة ومتنوعة، من غزو العراق عام 2003 الذي تم رغم معارضة واسعة من المجتمع الدولي، إلى التدخلات الفرنسية في إفريقيا التي لم تراعِ سيادة الدول ولا إرادة شعوبها، إلى تصريحات ترامب التوسعية التي كشفت عقلية إمبراطورية علنية. هذه الوقائع ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي تجسيد لنهج متواصل يقوم على الغطرسة واحتكار القرار العالمي، وعلى فرض الطاعة بالقوة، وعلى تأديب الخارجين عن الصف بوسائل لا تقرها الشرائع ولا الأعراف.
وحين نتأمل هذه السياسات، ندرك أن النظام الدولي الراهن يعاني أزمة شرعية عميقة. فالقوانين التي وُجدت لضبط العلاقات بين الدول تحولت إلى أدوات انتقائية، تُستخدم حين تخدم مصالح الكبار وتُهمل حين تعارضها. العدالة استُبدلت بمنطق القوة، والشرعية الدولية صارت رهينة لموازين القوى، والشعوب باتت مهددة بأن تُختطف إرادتها أو يُختطف قادتها إذا ما تجرأوا على الخروج عن الطاعة.
إن العالم اليوم يقف أمام مفارقة صارخة: القوى الكبرى التي تدَّعي حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان هي نفسها التي تنتهك هذه المبادئ بأبشع الصور، سواء عبر التدخل العسكري المباشر، أم عبر العقوبات الاقتصادية التي تخنق الشعوب، أم عبر دعم الانقلابات وتغيير الأنظمة بالقوة. هذه الممارسات لا تفضح فقط زيف الشعارات، بل تكشف أيضًا أن النظام العالمي لا يزال أسير عقلية الإمبراطورية، حيث تُؤدّب الشعوب والحكّام الخارجون عن الطاعة، وتُحتكر القرارات المصيرية بصفاقة لا تخفى على أحد.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه السياسات تُمارس بغطاء من الشرعية الشكلية، حيث تُستخدم المؤسسات الدولية كأدوات لإضفاء طابع قانوني على قرارات لا تمت للقانون بصلة. مجلس الأمن، صندوق النقد، البنك الدولي، كلها مؤسسات تخضع لتأثير مباشر من القوى الكبرى، وتتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة، بدلًا من أن تكون ضمانة للعدالة والمساواة بين الدول.
إن تغوّل الدول الكبرى وغطرستها ليس مجرد قضية سياسية، بل هو أزمة أخلاقية وفكرية أيضًا. فحين يُختزل العالم في إرادة قوة واحدة أو اثنتين، وحين تُختطف السيادة الوطنية وتُغتصب إرادة الشعوب، يصبح الحديث عن القانون الدولي والعدالة مجرد وهم. النموذج الأمريكي والفرنسي يكشفان بوضوح أن النظام العالمي الراهن لا يزال بعيدًا عن قيم العدالة والحرية، وأنه أسير عقلية السيطرة والاحتكار، عقلية لا ترى في الآخر سوى تابع أو خصم يجب إخضاعه.
وهكذا، فإن العالم بأسره مدعو لإعادة التفكير في شرعية هذا النظام، وفي جدوى مؤسساته، وفي مستقبل العلاقات الدولية إذا ظلّت محكومة بمنطق القوة والغطرسة. فالتاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات مهما تغوّلت لا تدوم، وأن الشعوب مهما أُخضعت لا تفقد حقها في الحرية والسيادة. لكن الثمن الذي يُدفع في هذه المعركة بين الهيمنة والحرية يظل باهظًا، والشواهد من بنما إلى العراق، ومن إفريقيا إلى غرينلاند، تؤكد أن الغطرسة الكبرى لا تجلب سوى الفوضى والدمار، وأن العدالة المؤجلة لا بد أن تأتي يومًا، مهما طال زمن الهيمنة.
