تحول الصحة من حق إلى غنيمة

علي بوقرين
ما يحدث في ليبيا ليس أزمة صحية وليس خللًا إداريًّا عابرًا، ولا ضعفًا في الموارد. ما يحدث هو تحول بنيوي خطير، انتقال الصحة من كونها حقًّا إنسانيًّا وأمنًا وطنيًّا إلى سوق مفتوحة، ومن كون الطب رسالة إلى نشاط تجاري، ومن كون المرض خللًا يجب منعه إلى كونه أصلًا اقتصاديًّا يجب استدامته.
نحن أمام اقتصاد قائم على المرض لا يعيش إلا به ولا يستمر إلا بتكاثره ولا يزدهر إلا بتفاقمه. اقتصاد كلما تحسنت صحة الناس خسر، وكلما تدهورت صحتهم ربح. وهذه ليست استعارة أدبية، بل توصيف واقعي لما آلت إليه منظومة الصحة في ليبيا، في هذا الاقتصاد تُهمش الوقاية عمدًا لأنها تقلل الطلب، وتُهمل الرعاية الصحية الأولية لأنها لا تدر أرباحًا، وتُترك الأمراض المزمنة لتتضخم لأنها تضمن تدفقًا ماليًّا طويل الأمد. يُطبع المرض كحالة دائمة ويُقنع المجتمع صراحة أو ضمنا بأن التعايش مع العلة هو الوضع الطبيعي. والنتيجة مجتمع يعيش سنوات أطول مع المرض، وليس سنوات أطول بصحة.
هذا الانحراف لا يقف عند حدود الطب، بل يتغذى من اقتصاد استهلاكي طفيلي مشوه. أسواق مكتظة بسلع غذائية غير صحية محلية ومستوردة ومغشوشة أو منتهية الصلاحية، ملوثة أو عالية الضرر، بلا رقابة حقيقية ولا مساءلة. يُنتج المرض يوميًّا عبر الغذاء والبيئة ونمط الحياة، ثم يُعاد بيعه للناس في شكل تحاليل وأدوية وإجراءات وتحويلات وفواتير مرض يُصنع أولًا ثم يُستثمر فيه لاحقًا.
هذه ليست فوضى فقط، بل سياسة اقتصادية ضمنية تقوم على الاستنزاف، وفي قلب هذه المنظومة يقبع أخطر ما فيها سوق التعليم الطبي. تعليم بلا بنية تعليمية ولا مستشفيات جامعية، ولا تدريب سريري حقيقي، ولا معايير ولا اعتماد. شهادات بعضها تُشترى وتخصصات تُمنح وألقاب تُوزع لمن لا يملك علمًا ولا مهارة ولا أهلية. ويدخل إلى سوق صحة هشة، ليعالج مواطنًا أعزل لا يملك خيارات ولا حماية، وهنا لا نتحدث عن أخطاء فردية، بل عن انحرافات بنيوية، لأن التعليم الطبي الرديء يُنتج أخطاء ومعاناة ووفيات واستنزافًا مضاعفًا للمال العام والخاص.
المواطن يدفع ثمن العلاج من جيبه ويدفع ثمن الفشل من صحته ويدفع ثمن الصمت من كرامته، والدولة تدفع بالكامل حصته المهدورة، للأسف انهار المعنى الإنساني للطب. وتضارب المصالح لم يعد استثناءً، بل صار قاعدة. تُسلع المعاناة وتُشرعن الاستفادة من ضعف المريض وتُختزل العلاقة العلاجية في فاتورة وأصبح الطب مهنة بلا رسالة، هذه الفوضى لم تكن لتستمر لولا اختطاف القرار الصحي، وشبكات مصالح تتغلغل وتُفرغ القوانين من مضمونها، وتُعطّل أي إصلاح حقيقي لأنه يهدد أرباحها، وغياب الدولة ليس صدفة، لتتحول من حام للصحة إلى متفرج على استنزاف الناس، والأخطر أن هذا المسار يُعيد إنتاج نفسه تعليمًا مشوهًا يُنتج ممارسة مشوهة، وممارسة مشوهة تُبرر مزيدًا من السوق، وسوقًا أوسع تحتاج إلى مزيد من المرض. حلقة مغلقة ضحيتها المواطن، وليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الاستثمار الصحي، بل إلى استعادة سلطة الدولة، ولا تحتاج إلى تسليع الصحة، بل إلى تحصينها. ولا تحتاج إلى جامعات خاصة بلا روح، بل إلى تعليم طبي وطني صارم، ولا تحتاج إلى سوق مفتوحة، بل إلى نظام صحي موحد وعادل ومنصف، الصحة ليست قطاعًا ثانويًّا، بل ركيزة سيادة، والتعليم الطبي ليس تجارة، بل صناعة إنسان. ومن يفرط فيهما يفرط في حاضر المجتمع ومستقبل الأجيال. وأخطر ما في اقتصاد المرض أنه لا يحتاج إلى نية شريرة، بل إلى صمت طويل
