فلسطين بين اشتداد العاصفة وإعادة بناء البوصلةالوطنية

محمد علوش
تدخل القضية الفلسطينية طورًا بالغ التعقيد، تتشابك فيه تحولات إقليمية ودولية عميقة مع واقع داخلي مثقل بالانقسام والاستنزاف، ففي اللحظة التي تتصاعد فيها سياسات الاحتلال الاستعماري الاستيطاني، ويتراجع فيها دور النظام الدولي وقدرته على إنصاف شعبنا، تفرض المرحلة الراهنة ضرورة قراءة فكرية وسياسية جريئة تستشرف آفاق المستقبل، وتحدِّد طبيعة المخاطر الكبرى، وتبحث في سبل المواجهة بما يعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، ويرسِّخ وحدة شعبنا تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية.
يتمثل التحدي الأخطر في جوهر المشروع الصهيوني ذاته، الذي تجاوز مرحلة إدارة الصراع إلى السعي لحسمه بالقوة، عبر تسريع وتيرة الاستيطان، وتهويد القدس، وفرض نظام فصل عنصري شامل، واستباحة الدم الفلسطيني دون أي رادع أخلاقي أو قانوني، وهذا التحوُّل يضع الحركة الوطنية الفلسطينية أمام مسؤولية تاريخية للانتقال من منطق ردود الفعل الآنية إلى صياغة استراتيجية نضالية طويلة الأمد، تقوم على وضوح الهدف بإنهاء الاحتلال، وانتزاع حق تقرير المصير، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس.
أما التحدي الثاني، فيكمن في الانقسام الداخلي وتداعياته العميقة، من تآكل الثقة الشعبية، وإضعاف التمثيل الوطني، وتشظِّي الخطاب السياسي، فقد أثبتت التجربة أن الانقسام لم يكن يومًا مصدر قوة أو حماية لشعبنا، بل شكَّل ثغرة قاتلة استغلها الاحتلال لتعميق عدوانه وضرب ركائز المشروع الوطني، وإن وحدة شعبنا ليست شعارًا إنشائيًّا أو ترفًا سياسيًّا، بل شرطًا موضوعيًّا للصمود والمواجهة، ووحدة من هذا النوع لا تبنى بالتفاهمات المؤقتة أو المجاملات، بل بإرادة سياسية صلبة تعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة الوطنية، والديمقراطية، والمساءلة.
ويبرز التحدي الثالث في البيئة الإقليمية والدولية المتقلبة، حيث تتراجع القضية الفلسطينية في سلَّم أولويات العديد من القوى، في ظل أزمات عالمية متلاحقة وصراعات دولية تستنزف الاهتمام الدولي، إلى جانب تنامي سياسات التطبيع التي تسعى إلى عزل نضال شعبنا وتجريده من عمقه العربي، ومع ذلك، فإن هذا الواقع القاسي يحمل فرصًا كامنة، إذا ما أُحسن استثماره عبر إعادة صياغة الخطاب السياسي الفلسطيني، وبناء تحالفات دولية جديدة، وتفعيل أدوات القانون الدولي، والعمل المنهجي على مراكمة العزلة السياسية والأخلاقية للاحتلال.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الوطني الجامع، والبيت السياسي والمعنوي لشعبنا في الوطن والشتات، فترسيخ الوحدة الوطنية يبدأ من إعادة الاعتبار للمنظمة، لا كرمز تاريخي فحسب، بل ككيان نضالي حيّ، من خلال تطوير مؤسساتها، وتوسيع تمثيلها، وتجديد شرعيتها، وضمان استقلال قرارها الوطني، وعندما تكون منظمة التحرير الفلسطينية جامعة وديمقراطية وفاعلة، تصبح قادرة على قيادة شعبنا في واحدة من أدق مراحل نضاله.
كما أن تجديد المشروع الوطني الفلسطيني يستدعي مراجعة شاملة لأدوات النضال، بما يحقق التكامل بين المقاومة الشعبية، والعمل السياسي والدبلوماسي، والنضال القانوني في المحافل الدولية، وحركة المقاطعة العالمية، فشعبنا يمتلك طاقات هائلة في الداخل والشتات، ولا سيما بين الشباب والنساء والعمال والمثقفين، وهذه الطاقات بحاجة إلى تنظيم وتأطير ضمن رؤية وطنية موحَّدة تعيد الثقة بالفعل الجماعي وتحرِّر المبادرة الشعبية.
ولا يمكن فصل البعد الوطني عن البعد الاجتماعي والاقتصادي للصراع، إذ يسعى الاحتلال الإسرائيلي بشكل منهجي إلى كسر إرادة شعبنا عبر الحصار، والتجويع، وتدمير مقومات الحياة، وضرب النسيج الاجتماعي، وإن تعزيز الصمود الوطني يتطلب سياسات تحمي الفئات الأكثر تضررًا، وتعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية، ولدور الحركة النقابية والمجتمع المدني، بما يربط بين التحرر الوطني وكرامة الإنسان الفلسطيني.
إن المرحلة المقبلة، رغم قسوتها، ليست مغلقة الأفق، فالتاريخ يؤكد أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها، وتوحِّد صفوفها، وتجدِّد أدوات نضالها، قادرة على كسر موازين القوة المفروضة عليها، والمطلوب اليوم خطاب وطني جامع، شجاع في تشخيصه، واقعي في أدواته، ومبدئي في أهدافه، يضع مصلحة شعبنا العليا فوق كل اعتبار، فالوحدة الوطنية تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية ليست خيارًا سياسيًّا بين خيارات متعددة، بل قدر وطني لا بديل عنه، وبها فقط يمكن مواجهة أخطر التحديات، وفتح أفق جديد يليق بتضحيات شعبنا، ويعيد للقضية الفلسطينية مكانتها كقضية تحرر وطني عادلة، لا تسقط بالتقادم ولا تهزم بالإكراه.
