مقالات الرأي

الصحافة الليبية في زمن الفوضى


أحمد رمضان


على امتداد العشرية الأخيرة، تحوّل المشهد الصحفي في ليبيا إلى مساحة مضطربة تعكس حجم الفوضى السياسية والأمنية التي عاشتها البلاد، فالصحافة لم تعد ذلك الفضاء الذي يتقدم نحو المعرفة ويمدّ المجتمع بأدوات الفهم، بل أصبحت في أغلبها جزءًا من صراع أوسع تُحرّكه القوى المتنافسة على السلطة والنفوذ، ومع غياب الدولة القادرة على ضبط المؤسسات وإرساء قواعد واضحة للعمل الإعلامي، انفتح الباب أمام أشكال متعددة من التأثير، كان أخطرها سيطرة المال السياسي والسلاح والمصالح الخارجية على أغلب المنابر.
منذ انقسام المؤسسات وانهيار المرجعيات الوطنية، وجدت القنوات والصحف نفسها خاضعة لسقوف الممولين السياسيين أو الجهويين أو الخارجيين، فتحولت من مؤسسات يُفترض أن تبني معرفة عامة إلى أدوات تعيد إنتاج الواقع وفق مصالح الأطراف المتصارعة. هذا الوضع عمّق أزمة المصداقية، في وقت يعمل فيه الصحفي الليبي داخل بيئة تفتقر إلى الحماية والتدريب والاستقلالية، ما أضعف قدرته على أداء دوره المهني بحرية ومسؤولية.
ومع سيطرة الخطاب السريع والشعبوي، تراجعت التحقيقات والتقارير المتعمقة، وتقدمت الأخبار العاجلة والتصريحات وردود الفعل، حتى بات الضجيج بديلًا عن المعرفة. ومع توسع وسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت هشاشة الصحافة التقليدية، إذ خسر الإعلام الرسمي جمهوره لصالح منصات ومؤثرين يقدمون روايات سريعة، غالبًا ما تكون مشحونة بالمبالغة أو التضليل، لكنها أكثر قدرة على التأثير وصناعة المزاج العام.
في هذا السياق، غابت صحافة الوعي، وتراجع دور الكتّاب والمحللين المستقلين، وحلّ الاصطفاف محل التفكير الحر. وأصبح الصحفي يحسب كلفة الكلمة قبل كتابتها، في بلد قد تتحول فيه المهنة إلى مخاطرة شخصية. ونتيجة لذلك، لم تعد الصحافة صوتًا جامعًا، بل انعكاسًا لانقسام المجتمع، حيث يعيش كل جمهور داخل روايته الخاصة، بعيدًا عن أي سردية وطنية مشتركة.
ومع أن جزءًا من هذا الانهيار مفهوم في ظل ما مرت به البلاد من صدمات، إلا أن استمراره بهذه الصورة يهدد بأزمة أعمق: أزمة وعي جماعي، فالأمم الخارجة من صراعات تحتاج إلى إعلام مهني يساعدها على فهم ما حدث، وليس إعلامًا يضاعف التشويه ويستثمر في الانقسام، تحتاج إلى صحافة تنويرية تضع الحقيقة في مواجهة التضليل، وتمنح المواطن القدرة على تكوين رأيه بعيدًا عن ضغوط المال والسلاح. لكن ذلك لن يتحقق ما لم تُبنَ مؤسسات قوية، وما لم تُستعد الدولة كمرجعية، وما لم يُفهم أن الصحافة ليست ترفًا سياسيًّا، بل ضرورة وطنية.

زر الذهاب إلى الأعلى