مقالات الرأي

أزمات التعليم المتراكمة.. إلى أين؟


بقلم/ منيرة محمد


شهدت ليبيا خلال عام 2025 سلسلة من الأزمات في القطاع التعليمي أثرت بعمق على الطلاب والمعلمين والأسر، حتى باتت العملية التعليمية نفسها مهددة بتراجع غير مسبوق في الجودة والفرص.
واحدة من أبرز الأزمات التي تصدرت المشهد طوال السنة كانت أزمة الكتب المدرسية، التي تسببت في تأخر انطلاق العام الدراسي وأربكت سير التعليم في المدارس الحكومية. رغم وعود وزارة التربية بتوفيرها، ظل توزيع الكتب متأخرًا لأسابيع بعد بداية الدراسة، وهو ما دفع أولياء الأمور إلى شراء نسخ مصورة أو الاستعانة بكتب قديمة لتعويض النقص.
تفاقمت الأزمة إلى درجة أن النيابة العامة أصدرت قرارًا بحبس وزير التعليم الليبي المكلف ومدير المناهج التعليمية على ذمة التحقيق بتهم الإضرار بالمصلحة العامة والإخلال بالحق في التعليم، على خلفية التأخير في طباعة وتوزيع الكتب المدرسية لعشرات مئات الآلاف من الطلاب.
هذه الأزمة لم تكن حادثة منعزلة، بل جاءت في سياق شبهات فساد إداري ومالي مرتبطة بعقود طباعة الكتب، وهو ما كشف عنه التحقيق القضائي، وأدى إلى تجميد بعض الحسابات والوقوف على مسائل إدارة العقود والإنفاق العام في هذا الملف الحيوي.
التداعيات تجاوزت تأخر الكتب إلى تأجيل بدء العام الدراسي لأكثر من مرة، وأثّرت على فرص التعلم لدى ملايين الطلاب في مختلف المدن، مما زاد من القلق لدى الأسر حول مصير التعليم وأداء المؤسسات المختصة.
لكن أزمة الكتب لم تكن الوحيدة. فقد كشف تقرير محلي عن نقص حاد في عدد المعلمين المؤهلين، واكتظاظ الفصول الدراسية، في وقت تواجه فيه المدارس الحكومية صعوبات في الصيانة والبنية التحتية نتيجة سنوات من الإهمال وعدم الاستثمار الكافي.
كما يواجه الطلاب أعباء إضافية بسبب الظروف الاقتصادية: ارتفاع تكاليف المواصلات والمواد التعليمية والزي المدرسي يثقل كاهل الأسر في ظل تراجع القوة الشرائية، مما يدفع بعض الأسر إلى سحب أبنائهم من المدارس أو الاعتماد على التعليم غير الرسمي والدروس الخصوصية، التي أصبحت ضرورة في كثير من المناطق.
في المناطق الريفية والأكثر بعدًا عن المدن الكبرى، تتفاقم الأزمات، إذ يعاني الطلاب هناك من قلة المدارس المناسبة، وضعف الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه داخل المؤسسات التعليمية، مما يعوق عملية التعلم، خاصة في الفصول الصيفية التي ترتفع فيها درجات الحرارة دون تكييف أو تجهيزات مناسبة.
على مستوى الإدارة التعليمية، أظهر عام 2025 ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة والافتقار إلى تخطيط فعّال يتماشى مع احتياجات الطلاب والمعلمين، مما انعكس على تنفيذ المشاريع الإصلاحية المتعثرة وعدم قدرة الوزارة على وضع خارطة طريق واضحة لإنهاء الأزمات.
وسط هذه المعضلات، يبقى السؤال الأكبر: إلى أين يتجه التعليم في ليبيا؟
الحلول التي بدأت تظهر، مثل التحقيقات القضائية والإجراءات الرقابية على عقود الطباعة، لا تزال غير كافية لمعالجة جذور المشكلة. تحتاج ليبيا إلى خطة إصلاحية شاملة تعيد ترتيب أولويات التعليم، وتضمن توزيع الموارد بشكل عادل، وتدعم المعلمين والمرافق التعليمية، وتعيد بناء الثقة بين الأسر والمؤسسات التعليمية.
إن استمرت هذه الأزمات من دون تدخل حقيقي وإصلاح جذري، فإن مستقبل الأجيال القادمة سيكون معرضًا للخطر، وقد يؤدي هذا الانهيار في التعليم إلى تراجع جودة القوى البشرية في السنوات المقبلة، وهو ما سيترك آثارًا اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد على المجتمع الليبي بأسره.

زر الذهاب إلى الأعلى