أرض الصومال بين الواقع السياسي والمخاطر الاستراتيجية على الأمن القومي العربي والأفريقي

متابعات – الموقف الليبي
عاد إقليم «أرض الصومال» إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي عقب تسريبات وتصريحات تتحدث عن نية إسرائيل الاعتراف به كدولة مستقلة، في خطوة أثارت رفضًا واضحًا من الحكومة الصومالية، ومواقف رافضة من دول إقليمية فاعلة مثل مصر وتركيا، لما تحمله من تداعيات خطيرة على وحدة الدول، واستقرار القرن الأفريقي، والأمن القومي العربي والأفريقي على حد سواء.
أولًا: ما هو إقليم أرض الصومال؟
«أرض الصومال» هو إقليم يتمتع بحكم ذاتي في شمال غرب جمهورية الصومال، أعلن انفصاله من جانب واحد عام 1991 عقب انهيار الدولة الصومالية ودخول البلاد في حرب أهلية طويلة. ويقع الإقليم على الساحل الجنوبي لخليج عدن، في موقع استراتيجي بالغ الأهمية، حيث يجاور أحد أهم الممرات البحرية العالمية المؤدية إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
يحد الإقليم من الغرب جيبوتي، ومن الجنوب والغرب إثيوبيا، ومن الشرق إقليم بونتلاند الصومالي، فيما يطل شمالًا على خليج عدن. وتبلغ مساحته نحو 176 ألف كيلومتر مربع، وعاصمته مدينة هرجيسا.
ثانيًا: الخلفية التاريخية والسياسية
تعود جذور الإقليم إلى فترة الاستعمار البريطاني، حيث كان يُعرف باسم «الصومال البريطاني». وفي 26 يونيو/حزيران 1960 نال استقلاله عن المملكة المتحدة، ليكون أول إقليم صومالي يحقق الاستقلال، ثم اتحد بعد خمسة أيام مع «الصومال الإيطالي» لتنشأ جمهورية الصومال الموحدة في الأول من يوليو/تموز 1960.
غير أن انهيار الدولة المركزية عام 1991 دفع النخب السياسية والعشائرية في شمال غرب البلاد إلى إعلان الانفصال، مستندة إلى اعتبارات تاريخية وإدارية، إلا أن هذا الإعلان لم يحظَ بأي اعتراف دولي، وبقي الإقليم قانونيًا جزءًا من الدولة الصومالية وفق قرارات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
ثالثًا: واقع الاستقرار وحدود الشرعية
نجح إقليم أرض الصومال في تحقيق مستوى من الاستقرار الأمني والإداري مقارنة بمناطق أخرى في الصومال، حيث يمتلك مؤسسات حكم محلية، وبرلمانًا منتخبًا، وأجهزة أمن، وعملة وطنية. إلا أن هذا «الاستقرار النسبي» لم يتحول إلى شرعية دولية، لأن الاعتراف بدولة جديدة على أساس الانفصال القسري يفتح الباب أمام تفكيك الدول القائمة، ويضرب مبدأ وحدة الأراضي الذي يُعد حجر الزاوية في النظام الدولي، خاصة في أفريقيا.
رابعًا: الأهمية الجيوسياسية والمطامع الخارجية
تكمن الخطورة الحقيقية في موقع أرض الصومال الاستراتيجي، المطل على خليج عدن وبالقرب من مضيق باب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. هذا الموقع جعل الإقليم محط اهتمام قوى دولية تسعى إلى تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ومن هنا، فإن أي اعتراف إسرائيلي محتمل لا يمكن فصله عن سياق أوسع يستهدف التمدد في الممرات البحرية الحيوية، وخلق نقاط نفوذ جديدة قرب العمق العربي والأفريقي، بما يهدد التوازنات القائمة، ويزيد من عسكرة البحر الأحمر.
خامسًا: مهددات الأمن القومي العربي والأفريقي.
إن الاعتراف بكيان انفصالي مثل «أرض الصومال» يحمل جملة من المخاطر الاستراتيجية، من أبرزها:
ضرب وحدة الدول الأفريقية وفتح الباب أمام حركات انفصالية أخرى، في قارة تعاني أصلًا من هشاشة الدولة الوطنية.
تهديد الأمن القومي العربي عبر إيجاد موطئ قدم لقوى غير عربية قرب باب المندب والبحر الأحمر، بما ينعكس على أمن الملاحة وقناة السويس.
تدويل الصراعات المحلية وتحويل القرن الأفريقي إلى ساحة تنافس استخباراتي وعسكري مفتوح.
تقويض الدور الأفريقي والعربي المشترك في معالجة أزمات القارة، لصالح تدخلات خارجية ذات أجندات خاصة.
خاتمة
إن قضية «أرض الصومال» ليست مسألة محلية معزولة، بل ملف إقليمي ودولي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات التاريخ والجغرافيا والسيادة والمصالح الاستراتيجية. وأي تعامل غير محسوب مع هذا الملف، خاصة عبر الاعترافات الأحادية، لن يؤدي إلى الاستقرار، بل سيزيد من تفتيت الدول، ويضاعف من التهديدات التي تطال الأمن القومي العربي والأفريقي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وأهمية.
