السلام الأمريكي… اسمٌ آخر للحرب

بقلم / ناصر سعيد
منذ نشأتها، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية يوماً راعياً حقيقياً للسلام أو الاستقرار الدوليين، رغم ما ترفعه من شعارات براقة عن “الديمقراطية” و“حقوق الإنسان”. فالتاريخ، منذ أكثر من قرنين، يشهد بأن الحروب أينما اندلعت في العالم ـ في الشرق الأوسط، في إفريقيا، في أمريكا اللاتينية، وحتى في أوروبا ـ تجد للولايات المتحدة فيها دوراً مباشراً أو غير مباشر، تخطيطاً أو تسليحاً أو تحريضاً.
هذه الدولة التي قامت على إبادة السكان الأصليين، الهنود الحمر، وبنت كيانها على العنف والتهجير والاستيطان، لم تغادر تلك العقلية حتى اليوم، عقلية القوة، والهيمنة، وفرض الإرادة، لا عقلية السلام العادل أو الشراكة المتكافئة بين الشعوب.
وفي هذا السياق، يقدّم دونالد ترامب نفسه ـ في كل دورة انتخابية ـ على أنه “رجل سلام”، مستخدماً خطاباً دعائياً يستهدف الداخل الأمريكي وبعض الرأي العام العالمي، لكنه سلامٌ من نوع خاص: سلام يُدار من فوهة البندقية، ويُصاغ في مصانع السلاح، ويُقاس بمصالح اللوبيات لا بحقوق الشعوب.
يدّعي ترامب أنه أوقف الحرب في غزة، بينما الحقيقة أن ما جرى لم يكن سوى انتصار سياسي وعسكري لكيان الاحتلال الإسرائيلي، على حساب دماء الفلسطينيين، وأرضهم، ووجودهم، لم يتحقق للفلسطينيين سوى المزيد من القتل، والدمار، والتهجير القسري، في واحدة من أبشع الجرائم المعاصرة التي جرت تحت نظر العالم، وبرعاية أمريكية كاملة.
كيف يمكن لرجلٍ يتحدث عن السلام أن يعترف بضم الجولان السوري المحتل إلى إسرائيل؟
وكيف لمن يرفع شعار “إنهاء الحروب” أن يكرّس الاحتلال، ويشرعن الاغتصاب السياسي للأراضي، ويمنح الكيان الصهيوني ما لم تمنحه له حتى الحروب؟
الأدهى من ذلك، أن الإدارة الأمريكية لا تتردد في إعادة تدوير شخصيات متطرفة، أو ذات ماضٍ إرهابي، وتقديمها كـ“قادة جدد” أو “رجال مرحلة”، متى ما خدم ذلك مصالحها، في استهانة صارخة بسيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الوصاية الخارجية.
أما ابتزاز دول الخليج، فهو سياسة معلنة لا تخجل واشنطن من التصريح بها: حماية مقابل أموال، أمن مقابل صفقات سلاح، وولاء مقابل بقاء الأنظمة، كل ذلك يجري تحت عنوان “التحالف”، بينما هو في جوهره علاقة غير متكافئة، تقوم على الاستنزاف لا الشراكة.
ثم، بكل هذه الخلفية، يخرج ترامب ليطالب بجائزة نوبل للسلام! تم يعلن عزمه بناء سفن حربية جديدة تحمل اسمه “مجهزة بـأسلحة وصواريخ على أعلى مستوى، وأسلحة فرط صوتية، ومدافع كهرومغناطيسية، وصواريخ كروز، الأكثر تطوراً في العالم، وستكون الأكبر على الإطلاق”.
أي سلام هذا الذي يُبنى على أنقاض غزة؟ وأي سلام ذاك الذي يُكافأ فيه المحتل ويُدان الضحية؟.
إنها معايير مزدوجة، بل فاضحة، تكشف زيف الخطاب الأمريكي، وتعرّي ادعاءاته الأخلاقية، فالسلام الحقيقي لا يُصنَع بالسفن الحربية، ولا يُسوَّق بالدعاية الانتخابية، ولا يُقاس برضا اللوبيات، بل بتحقيق العدالة، واحترام سيادة الدول، وحقوق الشعوب في الحياة والحرية والكرامة.
وما لم يُدرك العالم هذه الحقيقة، سيبقى “السلام الأمريكي” مجرد اسم آخر للحرب.
