مقالات الرأي

الصحة بين إنجاز ضائع ونهضة ممكنة

د.علي المبروك أبوقرين

يشهد النظام الصحي الليبي اليوم حالة انهيار مقلقة ، تتجلى في تردي الخدمات وغياب الجودة ، وتفكك المؤسسات ، في وقت يتراجع فيه التعليم الطبي والتدريب السريري إلى مستويات لا تواكب الحد الأدنى من المعايير العلمية والمهنية ، توسع عشوائي وتسليعٌ للتعليم والصحة ، وغيابٌ للمستشفيات الجامعية ، وانفصال خطير بين التعليم والممارسة ، كلها عوامل صنعت واقع صحي هش يهدد سلامة المرضى ومستقبل المهنة.

وعلى هذا السياق تمثل التجربة الليبية مثال بالغ الدلالة على أن بناء النظم الصحية والتعليم الطبي ليس مستحيل ، وأن الانهيار ليس قدر محتوم ، ففي سنوات قصيرة استطاعت ليبيا أن تنتقل من بلد فقير يفتقر إلى الخدمات الصحية والتعليم الطبي إلى دولة تمتلك بنية تحتية صحية متكاملة ومتطورة في حينها ، وأن تؤسس كليات للطب ، ومعاهد للتمريض ، وتستقطب آلاف الأطباء والممرضين والفنيين من مختلف دول العالم ، وأن ترسل آلاف الطلبة لدراسة الطب والتخصصات الصحية في أرقى الجامعات العالمية لتصبح واحدة من أهم دول المنطقة في البنية التحتية الصحية ، غير أن هذا الإنجاز لم يُصن ، ولم يُستكمل بالتطوير والتحديث ، فدخل القطاع الصحي العام في مسار تراجعي حاد ، وانعكس ذلك على الخدمات الصحية والتعليم الطبي والتدريب السريري ، حتى وصل الوضع إلى ما هو عليه اليوم من تدهور وانهيار.

وما حدث في ليبيا لم يكن قدرا بل كان نتيجة مباشرة لسوء الإدارة ، وغياب الإرادة السياسية ، وانعدام الرؤية طويلة الأمد ، وغياب الاستراتيجية والسياسات الصحية الواضحة ، وزاد من تعقيد المشهد تسليع الخدمات الصحية والتعليم الطبي، وغياب المستشفيات الجامعية والتعليمية الحقيقية، والتوسع العشوائي وغير المنضبط في كليات الطب والتمريض بعيدا عن المعايير والمواصفات ، وانتشار الدورات التجارية للإسعافات الأولية بهدف التوظيف لا التأهيل.

وتحول الصحة من حق إنساني إلى سلعة ، والتعليم الطبي من رسالة إلى سوق ، ومع ذلك فإن ليبيا بما تمتلكه من إمكانيات مالية وبشرية ، وعدد سكاني محدود نسبيا ، وموقع جغرافي استراتيجي لا تزال قادرة على النهوض ، ليس بالترميم المؤقت ، بل بإعادة بناء شاملة للنظام الصحي وفق متطلبات العصر والتقنيات الحديثة والتكنولوجيا الطبية المتقدمة.

نظام صحي قوي وموحد وعادل وفعال وشفاف ومنصف ، قائم على المعايير العالمية والرقمنة والذكاء الاصطناعي ونُظم التمويل الرشيدة ، نظام استباقي وتنبؤي ووقائي وفردي، وتعليم طبي متطور ببنية تحتية تعليمية تسبق تسارع المعرفة ، وتوطين حقيقي لأحدث العلوم والتقنيات ، ومناهج وأساليب تعليم تفاعلية وبحثية ورقمية وآلية تصنع الطبيب الإنساني الباحث والمشارك والقادر على التفكير النقدي وليس الحفظ ، وعلى الابتكار لا التلقين ، ومستشفيات جامعية حقيقية ، متكاملة في هياكلها البنيوية والهندسية.

تُجسد فلسفة التعليم الطبي والتدريب السريري الحديث ، وتغطي جميع فروع الطب وتخصصاته ، مدعومة بقوانين واضحة ، وتجهيزات متقدمة ، وشراكات استراتيجية حقيقية مع كبرى الجامعات والمستشفيات والمراكز البحثية العالمية في الدول المتقدمة صحيا وعلميا . بهذا المسار تستطيع ليبيا أن تخرج من أزمات الخدمات الصحية والتعليم الطبي المتردي ، وأن تتحول خلال سنوات قليلة إلى دولة متقدمة في المجالين ، بل وأن تتوسع لتصبح منارة صحية وطبية في المنطقة ، رافعة لقدراتها المحلية ، ومحسنة لجودة خدماتها ، ومساهمة في الاستقرار والتنمية.

إنها دعوة صريحة لتبني مشروع إصلاحي حقيقي بعيدا عن الحلول العشوائية والارتجالية ، لإنقاذ أهم قطاعين للتنمية والاستقرار الصحة والتعليم الطبي .

زر الذهاب إلى الأعلى