استغلال ذوي الإعاقة.. تجارة تتستر بثوب الإنسانية

سعاد علي الجروشي
على الرغم من تزايد الجهود لتمكين ذوي الإعاقة، ما زال البعض يستغلهم لتحقيق مكاسب شخصية أو مادية، فتحوَّلت بعض المبادرات الإنسانية إلى مشاريع ربحية تتستر بالعطف والرحمة. ويظهر هذا الاستغلال أيضًا في حرص بعض المسؤولين على التصوير مع ذوي الإعاقة من باب الاستعراض الإعلامي، حيث تنتهي القصة بصورة مُلتقطة وابتسامة عابرة، دون أدنى اهتمام بمطالبهم أو الالتفات إلى احتياجاتهم الحقيقية.
أولًا: جمع التبرعات.. نوايا معلنة وغايات خفية: تستغل بعض الجهات مشاعر الناس عبر صور وقصص لذوي الإعاقة تُستخدم دون إذن أو دون أن تصل المساعدات إلى أصحابها.
وهكذا تُستنزف نوايا الخير لتمويل مشاريع خاصة، في إساءة واضحة للعمل الخيري وخيانة لثقة المتبرعين.
ثانيًا: مؤسسات خاصة تتستَّر بالإنسانية: تنشئ بعض المؤسسات برامج ظاهرها الدعم وباطنها التسويق والربح، وتتمثل خطورة هذه الظاهرة في: استخدام ذوي الإعاقة كوسيلة دعائية، غياب الشفافية المالية، تجاهل احتياجاتهم الحقيقية لصالح أهداف تجارية وفي المهرجانات والفعاليات، يُكرَّم بعض الأشخاص ذوي الإعاقة تكبيرًا للمشهد الإعلامي فقط، ويُمنحون شهادات شكر وكلمات رنَّانة، بينما تُهمل احتياجاتهم الأساسية ويُغفل دعمهم الحقيقي.
ثالثًا: أضرار إنسانية ونفسية على ذوي الإعاقة: هذا النوع من الاستغلال لا يؤثر ماديًّا فقط، بل ينعكس نفسيًّا أيضًا، حيث يشعر الشخص من ذوي الإعاقة بأنه مادة للعرض والاستعطاف، ويضعف احترامهم لذواتهم، كما يخلق فقدانًا للثقة في المبادرات الصادقة التي تعمل بضمير ومسؤولية.
رابعًا: مسؤولية المجتمع: للحد من هذا الاستغلال يجب: المطالبة بالرقابة والمحاسبة على الجهات غير الموثوقة، التحقق من مصداقية الحملات قبل التبرع، دعم المبادرات الرسمية أو الموثوقة التي تملك تقارير واضحة وشهادات اعتماد وإشراك ذوي الإعاقة في إدارة البرامج المقدَّمة باسمهم لضمان وصول الخدمات إليهم.
خامسًا: التحوّل من الاستعطاف إلى التمكين: الفئة التي تُستغل اليوم هي ذاتها القادرة على الإبداع والإنتاج إذا أُتيحت لها الفرص، المطلوب ليس حشد التبرعات باسمهم، بل دعمهم فعليًّا عبر: التدريب والتأهيل، توفير فرص العمل العادلة، مشاريع التمكين الذاتي ودمج حقيقي في المجتمع.
إن استغلال ذوي الإعاقة تحت راية الإنسانية ليس مجرد سلوك خاطئ، بل هو سقوط أخلاقي يجرِّد العمل الخيري من روحه النبيلة. فحين تتحول المعاناة إلى وسيلة ربح، ويُختزل الإنسان في صورة تُستدرُّ بها العواطف، نكون أمام فعل يخون القيم قبل أن يخون البشر.
لقد آن الأوان لوقف هذا العبث، وردِّ الاعتبار لهذه الفئة التي تستحق الاحترام لا الشفقة، والتمكين لا الاستغلال.
إنهم ليسوا وسيلة لربح أحد، بل طاقات وقدرات تحتاج إلى تقدير وفتح أبواب الفرص أمامها.
وحماية حقوقهم ليست مسؤولية مؤسسات فحسب، بل واجب مجتمعٍ كامل يرفض أن يتحوَّل الخير إلى تجارة. فلنجعل دعمهم عملًا صادقًا ومسؤولية إنسانية أصيلة تُعيد إلى الإنسان كرامته، وللعمل الخيري معناه الحقيقي.
