حين يتحوّل النفط إلى غنيمة، فسادٌ لا يتخفّى، بل يتباهى

بقلم/ عثمان الحضيري
لم يعد ما يُكتب عن فساد قطاع النفط مجرَّد صرخة في وجه الظلام أو محاولة لكشف المستور. فقد تغيّر المشهد الليبي، حيث الفساد لم يعد يتخفّى، بل أصبح منهج عمل يُمارَس جهارًا نهارًا، وتتكرر مفرداته في الإنتاج والتسويق وترسية المشروعات ومنح الامتيازات النفطية في صورها المختلفة وبخلاف الأنماط التقليدية التعاقدية.. حتى بات القطاع الحيوي الذي يُفترض أن يكون قاطرة الاقتصاد، مسرحًا لنهب منظّم لا يخشى الضوء.
-إنتاجٌ غامض.. وأرقام لا تجد من يدقّقها
في أي قطاع نفطي محترم، تبدأ الشفافية من أول برميل يُستخرج. لكن عندنا، تبدو عملية الإنتاج أشبه بصندوق مغلق:
تكاليف تشغيل تتضخّم من دون تفسير، وتقارير فنية لا يراها أحد سوى من كتبها، وعقود تشغيل تُمنح لمن يملك “النفوذ” لا لمن يملك القدرة.
هذه البيئة ليست مجرد خلل إداري، بل حاضنة مثالية لتحويل الإنتاج إلى بوابة تسريب منهجية لا يشعر بها إلا المواطن عندما تتراجع الخدمات ويزداد العجز وتنتهي بالفقر.
-التسويق النفطي، البقرة التي تُحلب بعيدًا عن الأعين، التسويق هو النقطة التي يتحوّل عندها النفط إلى مال. ولذلك، فهو الأكثر شهية لمن يبحثون عن “الغنيمة”، وفي هذا الملف تحديدًا، تبرز ممارسات لا يمكن وصفها إلا بأنها تشويه متعمّد للمصلحة العامة، عقود بيع تُمنح لمكاتب سمسرة مشبوهة، لا سيرة لها ولا وزن في السوق النفطية تتمتع خصومات تُقدَّم بلا مبرر، وكأن الثروة ملك خاص، آليات سرّية تغيب عنها المنافسة، وتُفتح فيها الأبواب لمن يعرف الطريق إلى أصحاب القرار، والأدهى تمكين الفاسدين والمحكومين جنائيًا في مفاصل القرار بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
إذًا ما يجري في التسويق ليس اجتهادًا خاطئًا، بل عبثٌ مقصود يُحوّل المال العام إلى مكاسب خاصة.
-امتيازات استكشافية على “مقاس” شركات صغيرة
عندما تُمنح قطع استكشاف نفطية لشركات قزمية أو واجهات بلا تاريخ، فالمسألة لم تعد سوء تقدير.. إنها رسالة. رسالة تقول إن القطاع لم يعد يبحث عن شركاء كبار، بل عن شركاء مريحين.
المعايير غائبة، والمنافسة شكلية، والصفقات تُرتّب لأسماء يعرفها الجميع دون أن تُذكر. وهكذا تتحول الثروة المحتملة في باطن الأرض إلى فرصة رابحة لقلة قليلة قبل حتى أن تبدأ أعمال الحفر، وكل ذلك بالمخالفة لقرار مجلس النواب رقم 15 للعام 2023 الذي يمنع الاستثمار في الثروات الطبيعية، ومنها النفط والغاز الى حين إجراء انتخابات حرة ونزيهة تنتج عنها حكومة واحدة موحدة تدير البلاد بالقانون ووفق التشريعات المنظمة للصناعة النفطية.
مشروعات تُبنى على الورق فقط
من المفترض أن تكون المشاريع النفطية أكبر مساحات الدولة للمحاسبة، لكن ما يحدث هو العكس، شركات وهمية تفوز بعقود بملايين، أعمال تُنجز على الورق أكثر مما تنجز على الأرض، فواتير تتضخّم كلما ابتعدت الرقابة، والنتيجة؟ مشاريع متأخرة، بنى تحتية رديئة، وأموال ضائعة لا يعرف المواطن عنها إلا عندما يسمع بفضيحة جديدة، والشواهد كثيرة.
إذًا من المسؤول؟
هنا السؤال الكبير: كيف يتكرر هذا المشهد؟
الجواب لم يعد لغزًا، فالقطاع محكوم بشبكة مترابطة من غياب المحاسبة وتداخل السلطات والتمكين الفردي على حساب المؤسسة، وطمس المعلومات عن الرأي العام، وإن قدمت تعوزها المصداقية، إنها منظومة كاملة من أدوات الفساد، وليست انحرافات فردية.
الفساد لم يعد سلوكًا.. بل هندسة متكاملة
اللافت اليوم أن الفساد في قطاع النفط لم يعد مجرد تجاوزات. أصبح هندسة قواعد، آليات متفق عليها بين ذوي المصالح ومسارات مدروسة.
وما لم تُكسر هذه الهندسة عبر فتح كل العقود للمراجعة القانونية والمحاسبية، نشر البيانات للرأي العام وإعادة هيكلة القطاع ضمن حوكمة حقيقية، وإعطاء الرقابة الإدارية صلاحيات لا تخضع لمزاج أحد مع تحفظي الشديد على أدائها حاليًا، فإن كل برميل نفط سيخرج من الأرض سيكون مصحوبًا ببرميل أكبر من الهدر والنهب، ناهيك عن التكلفة الرهيبة لإنتاج البرميل التي يقول الخبراء إنها وصلت إلى 25 دولارًا منذ 2011 وحتى الآن، مع العلم أن التكلفة قبل التحولات السياسية في ليبيا لا تزيد على 10 دولارات (في المجمل).
في خاتمة مقالي ما أود أن أقوله إن النفط ليس مجرد مورد اقتصادي، إنه معيار أخلاقي أيضًا، وما نشهده اليوم ليس فقط فسادًا في قطاع النفط، بل إفساد لثقة الناس ولعقد الدولة مع مواطنيها. إن أخطر ما في الأمر أنّ الفساد لم يعد يستحي.. بل أصبح يبتسم.
