مقالات الرأي

الصحة حين تكون الإنسان والعدالة والكرامة قبل كل شيء

د.علي المبروك أبوقرين

الصحة ليست خدمة تقدم ولا مشروع يدار وليست سلعة تسعر ولا رقم في موازنة عامة بل هي فلسفة إنسانية عليا ، وحق فطري أصيل وركن وجودي تقوم عليه الكرامة البشرية ، ومعها تقوم قوة المجتمع وصلابة الدولة ، فالصحة في جوهرها العميق هي أن يكون الإنسان مركز الكون ومحور السياسات وبداية كل قرار ونهايته، الإنسان أغلى من النفط وأثمن من الثروات وأهم من كل الموارد الطبيعية مجتمعة ، فهو رأس المال الحقيقي وأصل التنمية ومصدر القوة ومعنى الدولة نفسها ، ولهذا كانت المجانية قاعدة ولا تستثنى ليس لأنها رفاهية بل لأنها قانون اقتصادي عميق فكل دينار يصرف على الصحة والعافية والوقاية يجنب الدولة عشرات أضعافه في المرض والعجز والعلاج والكوارث ، ويمنح المجتمع إنتاجية أعلى وعمراً أطول واستقرار أقوى.

الصحة ليست كلفة بل استثمار طويل الأمد في البقاء والتقدم والأمان ، ومن هنا جاءت قاعدة الاقتصاد الصحي الحديث لا تنمية بلا صحة ولا دولة بلا عدالة ولا عدالة بلا مساواة ولا مساواة بلا نظام صحي موحد ومجاني وشامل ، وليبيا نموذج صارخ للدولة الريعية التي تعتمد مئة بالمئة على النفط كمصدر دخل وحيد تقريبا ، دولة لا تنتج اقتصاد صناعي أو تجاري أو معرفي، ولا يوجد إلى الآن قطاع خاص حقيقي قادر على حمل المجتمع في أساسيات الحياة ، وعندما يكون مصدر الدخل ثروة وطنية طبيعية لا يصنعها المواطن يصبح المواطن شريك أصيل فيها وليس زبون أو مشتري ولا مكلف بالرسوم ، ويصبح حقه في الصحة والتعليم والرعاية والعيش الكريم حق غير قابل للمساومة ، ولهذا فإن الصحة في ليبيا تحديدا يجب أن تكون مجانية بالكامل وممولة من الخزينة العامة ، لأن الاقتصاد غير متنوع ولا قطاع خاص قادر على خلق بديل ولا سوق حر قادر على حماية الفئات الهشة ، وأي طرح لتمويل الصحة عبر التأمين الصحي أو الاستقطاعات أو الصناديق أو المشاركة في الدفع أو السوق الصحي الموازي هو طرح منفصل عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي ، ويصب فقط في مصلحة قلة من المنتفعين ، بينما يحمل الشعب أعباء فوق طاقته ، ويحول الصحة من قيمة إنسانية إلى سلعة تجارية ، وهذا انحراف خطير عن فلسفة الحق ، وتحويل لثروة الشعب إلى مصدر ربح للأفراد.

الصحة في ليبيا يجب أن تقوم على ركائز ثابتة لا تهتز ، نظام صحي قوي وموحد وعادل وفعال وشفاف يقوم على حوكمة صارمة لا تسمح بالفساد والتلاعب والرقابة السابقة والمصاحبة واللاحقة بما يكفل خدمات مجانية عالية الجودة ونتائج مضمونة وأدوية موثوقة وتجهيزات كاملة وكوادر مؤهلة تأهيل عالي ، ببنية تحتية حديثة واستباقية وتنبؤية ووقائية وعلاجية وتأهيلية وفردية وأسرية واجتماعية، وتمويل عام في حده الأقصى وبقدر الحاجة والتطور العلمي والتقني ، والأولوية القصوى للصحة والمجتمع والسكان دون أي عبء على المواطن ودون أي لجوء لبدائل تمويلية من خارج الخزينة العامة ، ولا يكون التأمين الصحي خيار إلا عندما تصبح ليبيا اقتصادها إنتاجي حقيقي يأتي بسبعون إلى ثمانون بالمئة من دخله من الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد المعرفي ، وعندها فقط يصبح التأمين جزء من هيكل السوق.

أما اليوم فهو خطيئة اقتصادية واجتماعية لا تناسب دولة ريعية تعتمد بالكامل على ثروة طبيعية هي ملك الشعب كله ، وأي توجه لرفع يد الدولة عن الصحة أو تحميل المواطنين تكاليف علاجهم أو استبدال حقهم الطبيعي بنظام تأميني ، أو دفعهم نحو السوق الصحي الخاص ليس مجرد خطأ إداري بل جريمة أخلاقية واقتصادية واجتماعية ترتكب في حق شعب كامل ، وتفتح الباب للفقر والمرض وتداعياتهما ، وتعطل التنمية ، وتهدد المجتمع وتعيد تأسيس ليبيا على قاعدة غير إنسانية .

الصحة ليست باب للتجربة ولا ملف للتجارة ولا مساحة للربح ولا موضوع للمساومة ، إن الصحة قدر الشعوب وميزان الدول وروح المجتمع ، ومن يمس حق الناس في صحتهم كمن يمس حقهم في الحياة ، وهذا خط أحمر ترسمه الدساتير والتشريعات والأخلاق قبل السياسات والقرارات الارتجالية ، وليبيا عندما تتأمل صورتها في مرآة التاريخ كأمة خرجت من زمن الأمية والجهل والمرض والفقر إلى فضاءات المعرفة والصحة والوعي فقد بدأت طريقها متعثرة تعتمد في بداياتها على المعونات والمساعدات وعلى الخبرات الوافدة من المعلمين والأطباء العرب والأجانب الذين أسهموا في بناء اللبنات الأولى للتعليم الحديث والخدمات الصحية ، وتزامن ذلك مع اكتشاف النفط الذي منح البلاد قدرة مالية هائلة استخدمتها الدولة في بناء مدارس وجامعات ومستشفيات ومراكز صحية مجانية ومفتوحة للجميع بلا تمييز ولا حواجز ولا طبقية ، ولو أنها لجأت منذ تلك الأيام إلى تسليع الصحة والتعليم وخصخصة ما هو حق أصيل للفرد لما تمكن ملايين الليبيين من مواصلة التعليم ولا استطاع المرضى الوصول إلى العلاج ، ولا كانت النهضة الفكرية ولا التحسن الصحي ولا صعود أجيال من الكفاءات ممكنا .
لكن الرؤية كانت واضحة والحق كان مصانا والمجانية كانت قاعدة لا تُمس ، لأن الصحة والتعليم كانا يُنظر إليهما كعماد النهضة وليس بضائع في سوق المزادات ، ولهذا كان التقدم ممكن والعدالة متاحة والكرامة محفوظة ، ويظل الخلل اليوم ليس في التمويل فالثروة موجودة ، ولا في القدرة فالإمكانات متاحة ، وإنما الخلل الحقيقي يسكن في الإدارة والإرادة وآليات التنفيذ ، وفي غياب البوصلة والرؤية والاستراتيجيات.

وفي غياب الكفاءات القادرة على تحويل الثروة إلى بناء ، وتحويل الإمكان إلى فعل ، وتحويل الحق إلى نظام ومعايير ، وعندما تعود الدولة إلى أصل الفكرة أن الإنسان أهم من النفط وأغلى من كل الثروات وأن الصحة والتعليم ليسا امتياز بل حق وجودي تتأسس عندها بداية الطريق الصحيح نحو نظام صحي وتعليمي قوي وعادل وموحد يستعيد جوهر التجربة الليبية الأولى حين كان كل شيء ممكن ، لأن النية كانت صادقة ، والغاية كانت الإنسان ، والإنسان وحده مركز الكون وغاية الدولة وسبب النهضة ومعنى المستقبل .

زر الذهاب إلى الأعلى