مقالات الرأي

في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.. نحن في هامش الهامش

بقلم د – مصطفى الزائدي


نشر البيت الأبيض في الثاني من نوفمبر الماضي استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي تضمنت محدّدات السياسة الخارجية الأمريكية في المرحلة القادمة.
كتب الرئيس ترامب مقدمة جاء فيها:
“ما يلي هو استراتيجية للأمن القومي لوصف والبناء على الخطوات الاستثنائية التي قمنا بها. هذه الوثيقة هي خارطة طريق لضمان بقاء أمريكا أعظم وأكثر دولة نجاحًا في تاريخ البشرية، وموطن الحرية على الأرض. في السنوات المقبلة، سنواصل تطوير كل أبعاد قوتنا الوطنية، وسنجعل أمريكا أكثر أمانًا وثراءً وحرية وعظمة وقوة من أي وقت مضى”.
الخطوط العامة للخطة تلخّصها كلمة ترامب، فإن “أمريكا أولًا” تعني أن من حقها أن تقوم بأي تصرّف يخدم المصالح الأمريكية كأولوية دون النظر في مصالح الشعوب الأخرى.
لكن أمريكا عند الاستراتيجيين الأمريكان المشحونين صهيونيًّا، لا تعني مصالح الأمريكيين العاديين، فهم يعانون ربما أكثر من الشعوب الأخرى، بل تعني الطبقة الغنية المتنفذة!
ما حوته الخطة هو انعكاس للممارسات الأمريكية المتواصلة منذ عقود، نجده في خطب وتصريحات الساسة الأمريكيين بدءًا من ريغان مرورًا بجورج بوش الأب والابن وسياسات أوباما – التي كانت الأخطر – وصولًا إلى تبجّحات دونالد ترامب. ونشهده أيضًا في الممارسات السياسية الأمريكية على الأرض.
هذه الاستراتيجية الجديدة لا تختلف عن الاستراتيجيات الأمريكية السابقة غير المعلنة، حتى وإن حاول ترامب تقديمها على أنها تغيير جوهري في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية؛ فما كان يجري على الأرض دائمًا هو سياسة أمريكية عنصرية وعدوانية تقوم على السيطرة والاستعلاء، لخدمة القوى المالية التي تهيمن على الولايات المتحدة على حساب حقوق ومصالح الشعوب الأخرى.
فالولايات المتحدة لها سيطرة عسكرية مباشرة من خلال قواعد عسكرية تغطي ما يزيد على ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، في اليابان وكوريا والفلبين وتايلاند مرورًا بتركيا وألمانيا وأوروبا الغربية كلها وبولندا، إضافة إلى قواعدها في مناطق الكاريبي وبعض مناطق أمريكا اللاتينية، وقواعدها المنتشرة في الخليج العربي وفي بعض بلدان المغرب العربي، وسيطرتها المطلقة على معظم جزر المحيطات، وهذا يعني ببساطة أن الولايات المتحدة – دون النظر إلى عنصر حلف الناتو الذي هو في الواقع أداة عسكرية تابعة لها تقوده وتموّله وتشكل مكوّنه العسكري الرئيسي – تمتلك حضورًا عسكريًّا عالميًّا مباشرًا.
إضافة إلى تحكُّمها العسكري والأمني في أغلب مناطق الكرة الأرضية، فهي تتحكَّم عمليًّا في الاقتصاد العالمي من خلال العملة الأمريكية “الدولار” دون رقيب ولا حسيب، فمنذ سبعينيات القرن الماضي تطبع الولايات المتحدة الدولار دون أي غطاء من الذهب كما هو معمول به في معظم دول العالم، وقد أرغمت العالم على قبول هذا الوضع، وفرضت الدولار كعملة تعامل رئيسية في العالم، وربطت المعاملات المالية والأنظمة المصرفية بالدولار، وإذا أضفنا إلى ذلك كميات الدولار المخزَّنة لدى الأفراد والتي تُقدَّر بالتريليونات حول العالم، يمكن أن نفهم حجم السيطرة الاقتصادية الأمريكية، حتى لو لم نأخذ في الاعتبار تأثير الشركات الاقتصادية الكبرى متعددة الجنسيات التي هي في الواقع أمريكية الولاء والانتماء.
لذلك فإن التغيير الذي يحاول ترامب تقديمه يستند في واقع الأمر إلى تخوّف لدى الاستراتيجيين الأمريكيين من مستقبل أمريكا المظلم في المستقبل القريب، وليس تغييرًا في السياسة الأمريكية السابقة أو الحالية.
فالسياسة الأمريكية الحالية – كما أوردنا سابقًا – تقوم على الهيمنة العسكرية والاقتصادية والسياسية الشاملة على الكرة الأرضية تقريبًا، لكن خلال العقود الماضية تهدّدت هذه الهيمنة بظهور متغيّرات سياسية مهمة عالميًا.
السيطرة الأمريكية الأحادية أصبحت مهدَّدة بشكل كبير، الحرب الأوكرانية أعادت القطب السوفيتي الجديد – الاتحاد الروسي – بقوة عسكرية كبيرة، وصار يشكل خطرًا استراتيجيًا جديًا على الهيمنة العسكرية الأمريكية، على الأقل في شمال أوروبا وآسيا الوسطى، ومنع بلا شك تمدد الناتو شرقًا وهدد وجوده فعليًّا.
ومن جانب آخر، فإن بروز الصين كقوة اقتصادية أساسية وكبيرة في العالم شكّل تهديدًا مهمًّا للهيمنة الاقتصادية الأمريكية. يضاف إلى ذلك متغيّر “بريكس” الذي جمع قوى اقتصادية كبيرة متمثلة في البرازيل وجنوب إفريقيا والهند والصين وروسيا، وانضمت إليه اقتصاديات نامية أخرى، بهدف إيجاد بديل عالمي سيحدُّ بشكل كبير من الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وقد تأسس على قاعدة بناء اقتصاد عالمي خارج هيمنة الدولار.
أما فيما يخص منطقتنا العربية، فقد وصفتها الاستراتيجية على حقيقتها، قاعدة مواجهة مع إيران والصين وروسيا، وسوق للمنتجات الأمريكية، ومصدر للأموال والنفط والغاز والمعادن، ومنتجعات للراحة. وينبغي – من وجهة نظرهم – أن تستمر كذلك وأن تخضع للسيطرة المباشرة للولايات المتحدة وللكيان الصهيوني باعتباره قاعدة أمامية وقوة أيديولوجية مرتبطة عضويًا بمصالح الطبقات الغنية في الولايات المتحدة.
لا شك عندي أن النخب العربية السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية لن تهتم كثيرًا بهذه الاستراتيجية المنشورة، ولن تتعامل معها، لأنها تعتبرها تحصيل حاصل، نتيجة لحالة الذل والخوف من أمريكا ومن الكيان الصهيوني، فقد نجح الغرب عمومًا في إذلال العرب وترويعهم بأموالهم، حتى صاروا غير قادرين على مجرد التفكير في المقاومة من أجل تأمين مستقبلهم والحفاظ على استقلالهم في عالم جديد يتكوّن، وخرائط جيوسياسية جديدة تُرسم، ستكون على حسابنا نحن وعلى حساب مستقبل أجيالنا القادمة.
أما الليبيون الذين ينتظرون الحل الأمريكي، ويتسابقون لإرضائها، فلقد وضعتهم الاستراتيجية الجديدة على هامش الهامش!!

زر الذهاب إلى الأعلى